نوفمبر 7, 2026
1000552726

​ الكاتب :حسين شكران العقيلي

السبت، 7 تشرين الثاني 2026

​يشكل السلم المجتمعي الغاية القصوى والأمن الأسمى الذي تتطلع إليه أي بيئة إنسانية تسعى نحو الاستقرار والتطور، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يبني حضارة أو يحقق تنمية حقيقية في ظل سيطرة الفوضى وتنازع الإرادات على حساب الحقوق والكرامة.
وفي هذا السياق، يبرز الخطاب الشرعي والخطاب القانوني بوصفهما الجناحين اللذين يحلق بهما المجتمع نحو طمأنينته واستقراره فهما يمثلان المرجعية القيمية والنظم الإدارية والتشريعية التي تنظم حركة الأفراد والجماعات وتضبط إيقاع العلاقات الإنسانية على أساس العدل والمساواة.
ومن خلال التناغم الواعي بين القيم الدينية الأصيلة والأطر القانونية الرصينة تتشكل منظومة متكاملة لا تكتفي بفض النزاعات فحسب بل تعمل بعمق على تجفيف منابع الخلاف واجتثاث أسباب التنافر قبل أن تحتد وتتحول إلى صراعات تؤبّد الفرقة والتباغض.
​إن الخطاب الشرعي بمقاصده العليا وروح تشريعاته السمحة يعالج جوهر الإنسان وعقليته ووجدانه لكونه يخاطب الضمير الحي ويستند إلى رادع داخلي يستمد شرعيته من الإيمان المطلق بقيم الحق والخير والفضيلة. فهو يركز في منطلقاته على حفظ الكليات الضرورية التي تمثل عماد الحياة الإنسانية وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وعندما يتم تأصيل هذه الكليات في الخطاب الديني الموجه للجمهور، فإنه يتحول من مجرد وعظ نظري إلى طاقة روحية وأخلاقية فاعلة تعزز من روح التآخي والتسامح وتقر بأن الاختلاف في التنوع الإنساني هو سنّة كونية لا تبرر الإقصاء ولا العنف. كما يرسخ الخطاب الشرعي مفاهيم العفو والإحسان والتعاون على البر والتقوى وينهى عن التباغض والتحاسد وكل ما من شأنه أن يوهن الأواصر الاجتماعية، مما يجعله الحصن الأول لحماية النسيج المجتمعي من التآكل والانقسام.
​وإذا كان الخطاب الشرعي يخاطب الوازع الأخلاقي والدافع الإيماني فإن الخطاب القانوني يمثل الذراع التنظيمية والتشريعية التي تترجم تلك القيم والأخلاق إلى قواعد سلوكية ملزمة وضوابط دقيقة تحمي الحقوق وتحفظ الحريات.
فالقانون لا يترك الأمور للاجتهادات الفردية أو الأهواء الشخصية، بل يضع الحدود الواضحة وينظم الحقوق والواجبات بمسطرة واحدة لا تفريق فيها بين قوي وضيف، أو غني وفقير ومن خلال نصوصه ومواده التي تستمد غالبيتها من روح العدالة والتقاليد القانونية العريقة والمقاصد العامة يوفر الخطاب القانوني الطمأنينة للأفراد بأن حقوقهم مصونة وأن المعتدي سينال جزاءه العادل، مما يقطع الطريق أمام شريعة الغاب وأخذ الحقوق باليد. وحين يتسم الخطاب القانوني بالوضوح والشفافية ويقترن بإنفاذ عادل ومنصف، فإنه يتحول إلى أداة بناء واستقرار تعزز من هيبة الدولة وتكرس ثقة المواطن بمؤسساته.
​ولا يتحقق الأثر المنشود لهذين الخطابين بمعزل أحدهما عن الآخر بل إن التكامل الخلاق بينهما هو الضمانة الحقيقية لبناء مجتمع متماسك وقوي.
فالقانون بمفرده وإن كان يمتلك قوة الإلزام والردع، قد يعجز في كثير من الأحيان عن تقويم الضمائر إذا لم يستند إلى أرضية أخلاقية وقيمية تؤمن بعدالته ومشروعيته من الداخل. وبالمقابل فإن الخطاب الشرعي بحاجة إلى مظلة تشريعية وتنفيذية تحميه وتمنع تحريفه أو استغلاله من قبل متطرفين أو منتفعين لتوظيف الدين في غير مقاصده الإنسانية السامية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة خطاب وطني ومجتمعي يزاوج بوعي بين الحكمة الشرعية والصرامة القانونية، بحيث يرى المواطن أن ما يمليه عليه دينه من قيم التسامح وحفظ الحقوق هو ذاته ما يحميه وينظمه القانون في حياته اليومية.
​علاوة على ذلك، فإن التحديات المعاصرة التي تواجه المجتمعات، بدءاً من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وصولاً إلى التطورات التقنية وتسارع تدفق المعلومات وما يصاحبها من خطابات كراهية وتأجيج للنعرات، تتطلب قراءة متجددة وعميقة لكل من الخطابين الشرعي والقانوني. فلم يعد مقبولاً الاكتفاء بالقوالب التقليدية الجاهزة التي تكرر نفسها بمعزل عن واقع الناس وهمومهم، بل بات لزاماً على الفقهاء والمشرّعين والمثقفين وأصحاب الرأي تقديم خطاب مستنير يواكب العصر، ويجيب عن تساؤلات الشباب، ويقرب وجهات النظر، ويعلي من شأن المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية.
إن تجديد الخطاب لا يعني بحال التخلي عن الثوابت، بل يعني استنطاق تلك الثوابت لتقديم حلول ناجعة للمشكلات المستجدة، بما يضمن ديمومة السلم المجتمعي وحفظ حقوق الأجيال الحاضرة والمستقبلية.
​ختاماً، يظل السلم المجتمعي وحفظ الحقوق نبراسًا لا غنى عنه لأي أمة تريد أن تسلك طريق النهضة والازدهار. وإن ترسيخ هذه القيم العظيمة يبدأ من تطهير لغة التخاطب العام من الشوائب والتعصب، وتوجيه الطاقات الفكرية والتشريعية نحو بناء الإنسان وتحصين المجتمع. وحين يتكاتف الخطاب الشرعي الرشيد مع الخطاب القانوني العادل في رؤية تكاملية واحدة، فإنهما يشكلان معاً سياجاً منيعاً يحمي الوطن من الهزات والانقسامات، ويضمن لكل فرد فيه العيش بكرامة، وأمان، وعدل، وسلام.