الجهاد في القرآن الكريم (ح 7) (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)‎

الكاتب : فاضل حسن شريف

هناك نوعان من الجهاد: الأكبر وهو مجاهدة النفس، والأصغر وهو القتال في سبيل الله. ورد الجهاد ومشتقاته في آيات عديدة منها “وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده”، “وجاهدهم به جهادا كبيرا”، “جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”، “ثم جاهدوا وصبروا”، “أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم”، “ومن جاهد فإنما يجاهد عن نفسه”، “الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله”، “جاهد الكفار والمنافقين”، “وجاهدوا مع رسوله”، “وإن جاهداك لتشرك بي”، “وأقسموا بالله جهد أيمانهم”، “لا يجدون إلا جهدهم”. 

جاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز من قائل “وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ” فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا” (فاطر 42) “وأقسموا” أي كفار مكة “بالله جهد أيمانهم” غاية اجتهادهم فيها “لئن جاءهم نذير” رسول “ليكوننَّ أهدى من إحدى الأمم” اليهود والنصارى وغيرهم، أي أيَّ واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا، إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، “فلما جاءهم نذير” محمد صلى الله عليه وسلم “ما زادهم” مجيئه “إلا نفورا” تباعدا عن الهدى.

عن التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي: قوله سبحانه “وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ” (النحل 38) والقسم: الحلف: وسمى الحلف قسما، لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب والجهد بفتح الجيم المشقة. يقال جهد فلان دابته وأجهدها، إذا حمل عليها فوق طاقتها. وجهد الرجل في كذا، إذا جد فيه وبالغ، وبابه قطع. والمراد بقوله: “جَهْدَ أَيْمانِهِمْ” (النحل 38) أنهم أكدوا الأيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق، على أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، لأنهم يزعمون أن إعادة الميت إلى الحياة بعد أن صار ترابا وعظاما نخرة، أمر مستحيل. قوله تعالى “وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ” (المائدة 53) والجهد: الوسع والطاقة والمشقة. يقال جهد نفسه يجهدها في الأمر إذا بلغ بها أقصى وسعها وطاقتها فيه. والمراد: أنهم أكدوا الإيمان ووثقوها بكل ألفاظ التأكيد والتوثيق. قوله عز وجل”وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ” (النور 53). والجهد: الوسع والطاقة، من جهد نفسه يجهدها بفتح الهاء فيهما إذا اجتهد في الشيء، وبذل فيه أقصى وسعه. أى: وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق، بأنهم متى أمرهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالخروج معه للجهاد ليخرجن سراعا تلبية لأمره. قوله تعالى “وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ” (فاطر 42).

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز من قائل “وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا” ﴿فاطر 42﴾ (أيمان) جمع (يمين) بمعنى القسم، وفي الأصل فإنّ معنى اليمين هواليد اليمنى، واليمين في الحلف مستعار منها إعتباراً بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره من المصافحة باليمين عندها. “جهد”: من (الجهاد) بمعنى السعي والمشقّة، وبذا يكون معنى “جهد أيمانهم” حلفوا واجتهدوا في الحلف على أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. نعم، فعندما طالعوا صفحات التأريخ، واطّلعوا على عدم وفاء وعدم شكر تلك الأقوام وجناياتهم بالنسبة إلى أنبيائهم وخصوصاً اليهود، تعجّبوا كثيراً وادّعوا لأنفسهم الإدّعاءات وتفاخروا على هؤلاء بأن يكون حالهم أفضل منهم. ولكن بمجرّد أن واجهوا محكّ التجربة، ودخلوا كورة الإمتحان المشتعلة، وتحقّق طلبهم ببعثة نبيّ منهم، تبيّن أنّهم من نفس تلك الطينة، حيث أشار القرآن إلى ذلك بعد تلك الجملة الاُولى من الآية بالقول: “فلمّا جاءهم نذير ما زادهم إلاّ نفوراً”. هذا التعبير يدلّل على أنّهم كانوا قبل بعثة النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وعلى خلاف ما يدّعون ـ بعيدين عن دين الله سبحانه وتعالى، فقد كانت حنيفية إبراهيم معروفة بينهم، إلاّ أنّهم لم يكونوا يحترمونها، كذلك لم يكن لديهم أي إعتبار لما كان يمليه العقل من تصرفات. وبقيام النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ونيله من عقائدهم وأعرافهم وعصبيتهم الجاهلية، ووقوع مصالحهم غير المشروعة في الخطر، زادت الفاصلة بينهم وبين الحقّ، نعم كانوا بعيدين عن الحقّ، لكنّهم إزدادوا بعداً عن الحقّ بعد بعثة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

جاء في موقع المصري اليوم عن أشهر الخطب في التاريخ: خطبة الجهاد لـ(على بن أبى طالب): على بن أبى طالب هو ابن عم الرسول، وصهره فيما بعد، وقد تولى الخلافة بين سنتى 657 و661، وكان رابع الخلفاء الراشدين، كما أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأوّل الأئمّة عند الشيعة. وقد عُرف ببلاغته وحكمته، كما كتب الشعر. فى 13 من رجب عام 13 قبل الهجرة، ولد ابن عم نبى الإسلام- وصهره فيما بعد- على بن أبى طالب، الذى تولى الخلافة بين سنة 657 وسنة 661 بعد عثمان، وأصبح رابع الخلفاء الراشدين عند السنة، كما أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأوّل الأئمّة عند الشيعة. عُرف على ببلاغته واشتهر بالفصاحة والحكمة، حتى إن خطبه ورسائله كانت آية من آيات الإبداع والجمال الأدبى، والفنى أيضا، لما يملكه من قدرة على التعبير، وقاموس من المفردات يصنع منه عبارات كالسهام قادرة على إصابة المعنى والوصف والتحليل. يُنسب لأمير المؤمنين الكثير من الأشعار والأقوال المأثورة، وخطب مطعمة بالبلاغة، من بينها خطبة الجهاد المشهورة، لما قاله فيها للناس عندما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق وقتل عامله عليها، حيث جلس على باب السدة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، ولزمه الصّغار، وسيم الخسف، ومنع النّصف. ألا وإنى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزى قوم قط فى عقر دارهم إلا ذلوا فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي واتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتل حسان- أو ابن حسان- البكرى، وأزال خيلكم عن مسالحها، وقتل منكم رجالا صالحين. ولقد بلغنى أن الرجل منهم كان يدخل على المسلمة والأخرى المعاهدة، فينزع حجلها وقلبها ورعاثها ثم انصرفوا وافرين، ما كلم رجل منهم كلما، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان عندى به ملوما، بل كان به عندى جديرا. فيا عجبا من جد هؤلاء القوم فى باطلهم، وفشلكم عن حقكم. فقبحا لكم وترحا، حين صرتم هدفا يرمى، وفيئا ينتهب، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم فى أيام الحر قلتم: حمّارة القيظ، أمهلنا ينسلخ عنا الحرّ وإذا أمرتكم بالسير فى البرد قلتم: أمهلنا ينسلخ عنا القرّ. كلّ ذا فرار من الحر والقر. فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال، وددت أن الله قد أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضنى إلى رحمته من بينكم. والله لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم. معرفة والله جرّت ندما. قد وريتم صدرى غيظا، وجرّعتمونى الموت أنفاسا، و أفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ابن أبى طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم، وهل منهم أحد أشدّ لها مراسا أو أطول لها تجربة منى؟ لقد مارستها وما بلغت العشرين، فهأنذا قد نيفت على الستين ولكن لا رأى لمن لا يطاع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *