الكاتب : حسن الموسوي
—————————————
“نباح الكهنة الأَفذاذ: سردنةُ الخراب وتأريخُ القهر بلغةٍ متمرّدة!!
الناقد/حسن الموسوي
في “نباح الكهنة الأَفذاذ”، يمضي شوقي كريم حسن في مشروعه السردي الذي يزاوج بين القصّ والمسرح، بين الواقع والميثولوجيا، بين سخط الإنسان المقموع وشهوة الكتابة الحرة التي لا تتهيب السلطة ولا تتزين للمديح. هذا العمل، الذي يضم خمسًا وعشرين سردية قصصية ممسرحة، ليس مجرد تجميع لحكايات منشورة، بل إعادة صوغ لزمن الخيبات بلغةٍ تنبش تحت جلد المعاني وتنبعث من رماد التجربة العراقية المعاصرة.
يستعير شوقي تقنيات المسرح ـ المونولوج، الكوريغرافيا النصية، وتعدد الأصوات داخل السارد الواحد ـ ليقيم محكمةً للضمائر المعطلة في زوايا الأمس والحاضر. يضعنا أمام “كهنة” لا نعرف هل هم من سلالة الفقهاء، أم من سلالة القتلة، أم من كتبة الصحف الرسمية ممن جعلوا من مدادهم غبارًا لطمس العيون. وكأن هذه المسرودات تصرخ لا لتوقظ، بل لتعلن أن الصراخ نفسه فقد جدواه، فالمستقبل صار ملكًا للمحنطين.
نلحظ في هذه التجربة الثانية بعد “لبابة السر” انحيازًا واضحًا لما سماه الناقد فاضل ثامر “ملحمة العراق الثانية”، ليس لأن الكاتب يدوّن أوجاعنا، بل لأنه يعيد تأويلها في مرايا الزمن الفادح، دون مكياج الأسى أو تزييف العزاء. هنا لا يوجد تطهيرٌ أرسطي، بل طوفان من صور القهر التي تفقد معها اللغة معناها، لتستحيل اللغة ذاتها إلى ساحة مواجهة.
إن الأسلوب الذي اتبعه شوقي كريم لا يخضع لأي قيد تقني كلاسيكي، فالنصوص تمضي في اشتباك مع القارئ، لا ترجو تأييده، بل تستفزه. فـ”نباح” العنوان لا يرمز فقط لصراخ الكهنة، بل هو نباح الضحية أيضًا، صوت من لا صوت له، يتردد صداه في دهاليز التاريخ والنص معًا.في هذه السرديات، يلتقي الراوي مع التاريخ على هيئة محقق جنائي، لا يحقق في الجرائم ليكشف عن المجرمين، بل ليكشف كيف صرنا جميعًا ضحايا ومتواطئين في آن. إنه يعيد الماضي إلى المسرح لا ليُعرض، بل ليُحاكم، مستخدمًا أدوات سيميائية وسردية تنتمي إلى تقاليد الأدب العالمي الذي تحرر من القوالب، كما عند بيتر فايس في استجواب متأخر، أو بيسوا في اللاطمأنينة.هذه ليست كتابة تُقرأ، بل كتابة تُعاش، تتطلب من القارئ أن يكون فاعلاً في النص، لا متلقيًا له. فهي كتابة تسحب بساط التلقي التقليدي لتضعك في منتصف الحلبة، لا كقارئ، بل كشاهد محتمل.“نباح الكهنة الأَفذاذ” ليست مسرودات عن الماضي، بل إنذارٌ من المستقبل.
ما يميز سرديات نباح الكهنة الأفذاذ هو الانزياح الجريء عن مألوف اللغة، إذ لا يكتفي شوقي كريم بتقويض البناء التقليدي للجملة، بل يذهب إلى تفخيخ اللغة نفسها، مطلقًا العنان لجمل تنزف كما لو كانت طعنات دامية في جسد الواقع. في هذا العمل، لا نجد استعارات تُجمِّل، بل استعارات تُمزِّق. فالكلمة ليست زينة بل أداة لفضح المستور. إنها كتابة تقترف العنف ـ لا على القارئ فحسب ـ بل على اللغة، على البلاغة، على الحياد.
نقرأ مثلاً:“صرخةُ القصبِ لم تكن نايًا، بل شهقةَ من مات واقفًا على زبدةِ الظلم!”
بهذا التكوين المتوتر، يسحبنا الكاتب إلى منطقة سردية جديدة، حيث اللغة تصرخ قبل أن تحكي، وحيث السارد يتماهى مع الضحية، لا ليواسيها بل ليشهد على عريها.العبارات تتجاوز وظيفتها التقريرية، لتصبح خناجر في جسد السرد. لا توجد فواصل مريحة، ولا نهايات مغلقة. فكل سردية هي بداية لوجع جديد، تفضح الآلة القمعية للمؤسسات ـ سواء كانت دينية، حزبية، ثقافية أو عشائرية ـ وتحفر في ذاكرة متخمة بالخذلان.
ما يشدّ في سرديات هذا العمل هو تلك التقنية الخاصة بالمسرحة، حيث يُستعار شكل المشهد المسرحي ليُضخ داخل النص القصصي، مما يمنح السرد حركة داخلية تُضاهي العرض البصري. كل شخصية في هذه المسرودات تُقدَّم كما لو أنها تقف على خشبة، تُعرِّي نفسها، أو يُفضَح قناعها، في تداخل مدهش بين الدراما والاعتراف.لكن المدهش هنا، أن هذه الشخصيات ليست رمزية فقط، بل مؤرشفة: إنها تمثّل طبقات حقيقية من مجتمع مريض بالكذب. من الكاهن الذي يُبارك الطغيان باسم الرب، إلى المثقف الذي يمارس نقده كطقس فارغ، إلى الثائر الذي باع ثورته مقابل قصيدة في ديوان الدولة.
وكل هذا يتم ضمن بنية زمنية لا تترتب على خط مستقيم، بل تنهار كما تنهار القيم. فالماضي يستدعي الحاضر، لا ليشبهه، بل ليفضحه. وتغدو الذاكرة هنا، أداة مقاومة وفضح، لا مجرد أرشيف.يبدو شوقي كريم في هذا العمل، كما لو أنه يتحدر من سلالة أدبية غاضبة. قد نعثر على تقاطعات بينه وبين كتابات كنفاني في حدتها، أو كتابات سليم بركات في تفكيكها للزمن، أو حتى مع صرخات أنطونان أرتو في المسرح وقرينه حين قال: “الكلمات لا تكفي… نحتاج إلى احتراق الكلمات!”في هذا الإطار، لا يمكن اعتبار “نباح الكهنة الأَفذاذ” نصًا ترفيهيًا أو حتى جماليًا، بل هو موقف أدبي ـ وجودي، يعيد الاعتبار لدور الكاتب كشاهِدٍ ومُدِين. فهو لا يروي ما جرى، بل يُدين ما جرى، ويسخر من منطق الطمأنينة، ومن الأدب الذي استساغ البلاغة ونسي المأساة.
إننا بإزاء عمل يربك التصنيفات، ويرتّب القبح جمالاً بأسلوبه، كما ترتّب المذبحة جثثها في نظام صارخ.
العنوان المركب نباح الكهنة الأَفذاذ يفتح بابًا تأويليًا على مصراعيه. ثلاث كلمات، كل منها مغموسة في طبقات من الدلالة:
• “النباح”: صوت كل ما هو مُستبعد، مذلول، لا يُؤخذ على محمل الجد، ولكنه مزعج، متكرر، وفضائحي. ليس صراخًا، بل صوتًا حيوانيًا – مقصودًا به إسقاط القداسة عن من يتوهمون النطق بها.
• “الكهنة”: السلطة المؤولة، من يزعمون امتلاك الحقيقة، وحراسة المعنى، واحتكار التأويل. ليسوا فقط دينيين، بل كل من نصب نفسه حارسًا على العقل الجمعي.
• “الأفذاذ”: المفارقة الساخرة، فكأنما السارد يمنحهم أوسمةً فارغة لتعرية فداحتهم، لا تكريمًا لهم.
وهنا، يُبنى المعمار الرمزي للنصوص: كل سردية هي بمثابة نباح داخل معبد الكهنة، وكل “كاهن” هو رمز لقوة تمارس القهر بإسم الحق أو التاريخ أو العقيدة. تارة يكون الكاهن شيخًا، وأخرى مثقفًا، وأحيانًا حتى ذاكرة جماعية.
في هذه المسرودات، لا نجد المدن كما عرفناها، بل كأن الأمكنة خرجت من زمن الخراب. بغداد، النجف، العمارة، البصرة، وغيرها، لا ترد بأسمائها غالبًا، بل بصفاتها المتداعية: جدرانٌ تتنفس الخوف، أزقة تنكر المارّين، أنهار تحاول أن تنسى كيف تجري.المكان هنا ليس حيّزًا جغرافيًا، بل تمثيلٌ داخلي لعطب الهوية. إنه يشبه ما فعله الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال، حين حوّل القرية إلى استعارة كبرى للمجهول، أو كما فعل محمد شكري في الخبز الحافي حين جعل من الشارع بطن الأم والجحيم معًا.شوقي لا يرسم خرائط، بل يفتح مقابر. الأمكنة عنده لا تُسكن، بل يُختبأ فيها.من أبرز ما يثير الانتباه هو أن السارد كثيرًا ما يظهر كذات مُتشظية، لا تقدم نفسها بضمير ثابت، بل تتنقل بين “أنا”، “هو”، و”نحن”، مما يعكس انكسار الهوية الفردية والجمعية معًا.الذات عند شوقي كريم ليست مركزًا مطمئنًا للسرد، بل كائنٌ متشظٍ، مشتبه بنفسه، محكوم بالارتياب. وقد يكون هذا أهم ما يجعل هذه المسرودات تنتمي لأدب ما بعد الحداثة العربي: غياب مركز السرد، وارتباك المعنى، وتفكك المرجع، مع حضور مكثف للسخرية السوداء بوصفها أداة مقاومة.كما في هذا المقطع:“أنا الكاهن والضحية، أنا الصارخ في برية اللغة، أنا من غسلَ دمه بصفحات المجلات، فظنّ أنه قد عاش.”
رغم الطابع التخيلي لهذه السرديات، إلا أن القارئ يشعر بأنه بصدد محاضر حقيقية، مشبعة بلغة الاعتراف، وتحمل داخلها أصداء من وقائع عراقية عرفناها أو سمعنا بها أو تهربنا من مواجهتها. والكاتب هنا لا يكتفي بأن يكون راوياً، بل يتقمص دور القاضي، المشنوق، الشاهد، والمذنب.
وهو في هذا يذكرنا بتجارب مثل الواحدة بعد منتصف الليل لغسان كنفاني أو حفلة التفاهة لكونديرا، حيث تتداخل الحقائق الشخصية مع الخرائط الكبرى للكارثة.رغم نثرية النص، إلا أن البُعد الشعري حاضر في كل سطر. ليس الشعر بالوزن، بل بالشحنة. جمل كأنها شظايا: قصيرة، عميقة، وتترك أثرًا غائرًا.
“ما كنتُ كاهنًا، لكنهم رسموا لحيتهم على وجهي.”
“الأم تركتني رضيعًا في محراب الوطن، فابتلعني السقف.”
إنها كتابة لا تزخرف، بل تعرّي. ومتى ما صارت اللغة جرحًا، صارت القصيدة حقيقة.ليست نباح الكهنة الأَفذاذ مجموعة سردية فقط، بل وثيقة فنية دامغة عن الخراب العربي، والعراقي تحديدًا، في شكله الأكثر تعقيدًا: خراب المعنى. في هذا العمل، يتجاوز شوقي كريم حسن فعل الكتابة التقليدية ليعلن الحرب على كل مؤسسة تسعى إلى ترويض الألم أو تجميله. لا يكتب ليسلّي، ولا ليؤرخ، بل ليُدين، ويصرخ، ويترك أثرًا لا يُمحى في قارئ لا بدّ أن يكون جريئًا كفاية ليواجه نفسه في كل صفحة.إنه أدب ما بعد المأساة، حيث لم يعد الكاتب يتأمل الأنقاض من بعيد، بل يقطن فيها، وينقّب بين الحطام عن ما تبقى من إنسان.
في هذا العمل، نلمح تواصلًا مع إرث أدبي كبير ـ من جمال الغيطاني في كشفه للزيف المقدس، إلى حنا مينة في غضبه الطبقي، ومن موفق محمد في اختناقات القصيدة، إلى بلقاسم الشايب في فجاجته الساخرة. لكن شوقي كريم يضيف صوته الخاص، صوته الذي يشبه صوت القصب حين يُغنّي، لا فرحًا، بل احتضارًا.
نعم، إنها مسرودات قهر، لكنها قهرٌ ينهض، يكتب، ويواجه، في زمن يختار الكثيرون فيه الصمت أو النفاق أو الغياب.
إن نباح الكهنة الأَفذاذ تضع نفسها، دون مواربة، في صلب أدب المقاومة الجمالية، الذي لا يهادن، ولا يطلب الصفح، بل يصنع أدبًا لا يزول بنهاية الصفحة، بل يبدأ منها.
“حين يكون الكاهن ألدّ أعداء الله… لا بد للنباح أن يتحول إلى بيان.”