الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
مجلس عزاء بمناسبة استشهاد الامام محمد الجواد عليه السلام:
أقام مسجد الإمام الحسين عليه السلام مجلس العزاء بتلاوة من القرآن الكريم، وكلمة قصيرة للدكتور فاضل حسن شريف، ومجلس عزاء للشيخ حسن العامري، فأذان المغرب وصلاتها، ومأدبة عشاء للمتبرع مؤسس المسجد الحاج عطا علي.
ابتدأ الشيخ حسن العامري بتقديم التعازي، وقد نعى الشيخ العامري في بداية الخطبة ونهايتها. وقال في كلمة له تمحورت حول (ألقاب الرسل والائمة عليهم السلام ولقب الامام الجواد) ان مقامات وفضائل ومناقب الامام الجواد عليه السلام عديدة فقد جاء في زيارته عليه السلام (السَّلامُ عَلَيكَ يا نَجِيَّ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا سَفيرَ اللهِ، السَّلامُ عَلَيكَ يا سِرَّ اللهِ) فالناجي من النجاة، وسر الله أي الحافظ لاسرار الله تعالى. وهكذا (السَّلامُ عَلَيكَ اَيُّهَا النُّوُرُ السّاطِعُ) و (لسَّلامُ عَلَيكَ اَيُّهَا الحُجَّةُ الكُبرى) وهذا يدل على علو مقامات الامام الجواد عليه السلام، والتي بدورها تنطبق على الأانبياء والرسل والأئمة عليهم السلام. وكما جاء في الزيارة الجامعة (السلام على محال معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سر الله). أن أمير المؤمنين عليه السلام هو مستودع علم الله كما قال (علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألف باب يفتح كل باب ألف باب). فالله تعالى في كتابه العزيز وصف عيسى عليه السلام بكلمة الله “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ” (النساء 171).
للإمام الجواد عليه السلام مجموعة من الألقاب لعلو مقامه بالرغم من قصر عمره البالغ 25 سنة. السؤال لماذا التركيز على ألقاب الائمة عليهم السلام مثلا الرضا والصادق والمجتبى والسجاد مع العلم أنها لا تقتصر على أهل البيت فقط؟ إن آيات قرآنية أشارت الى القاب للانبياء والرسل والصالحين مثل الشكور والأواب والوجيه وكلمة الله والبشير والنذير والسراج. الألقاب في مفهوم اللغة وصف موجود عند شخص أكثر من غيره. وهذا لا يعني ان اللقب مثلا الجواد لا يتصف به غير الجواد ولكن نسبة الجود عنده هي الأعلى نسبة للبقية فاذا البعض عندهم نسبة 30% من الجود فإن الجواد تصل نسبة جوده 100%. فعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى عليهم السلام. اللقب مقام من الله لمن يستحقه. وليس صفة يمنحها المتزلفون لاشخاص لا يستحقونها مثل المعتمد بالله والواثق بالله. يقول الله تعالى “قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ” (المائدة 119). الألقاب هي صفات تتأثر بها الناس. فعندما يقال لقب الصادق يتأثر الناس إيجابا بهذا الشخص. الصفة تمنح الانسان ملكة عندما يداوم عليها حتى تصبح جزء من ذات الإنسان عندما يستمر عليها لسنوات. مثلا الذي يصلي صلاة الليل ويداوم عليها يوميا فانه يشعر بالذنب عندما لا يصلها في ليلة من الليالي ولو أنها ليست واجبة. فالإمام علي عليه السلام يمتلك الإيمان ليصبح جزء من ذاته فهو كثير وقوي الايمان بحيث اتحد الايمان مع علي عليه السلام فأصبح هو الإيمان بحيث قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عن علي عليه السلام (برز الايمان كلّه الى الكفر كلّه).
وهكذا فالامام الجواد عليه السلام لكثرة جوده على طول حياته فاتحد الجود به فأصبح هو الجواد. وهنالك أمثلة قرآنية فابن نوح عليه السلام الضال لقب عمل غير صالح “وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)” (هود 45-46) لان اعماله كانت غير صالحة على طول حياته. و مريم عليها السلام “فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا” (ال عمران 37) لان مريم ذاتها صالحة على طول حياتها فتقبلها الله تعالى بقبول حسن. ان اتحاد الصفة مع الشخص تصبح مقام له. الجود أعلى مرتبة للعطاء والكرم. الجود عطاء بدون رد “وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا” (النساء 32). الله تعالى أعلم بتواصل العبد معه، فالصلاة والدعاء نوع من أنواع التواصل مع الله تعالى وكما جاء في الرواية (الله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم). العطاء يجب أن يكون بدون من “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ” (البقرة 264). بعض الاباء يمنون على أهلهم بالعطاء فهذا مما يفسد العطاء “قوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى” (البقرة 263). الجود هو عطاء بدون مسألة. فالله عز وجل هو الجواد يعطي كل شيء بدون من “وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً” (لقمان 20) و “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل 78). وأجود ما اعطى الله تعالى للناس هو محمد وآل محمد عليهم السلام فهو عطاء لا ينضب. ان ديننا نصل به الى الله تعالى عن طريق أهل البيت عليهم السلام. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما بال أقوام إذا ذكر عندهم آل إبراهيم فرحوا واستبشروا، وإذا ذكر عندهم آل محمد اشمأزت قلوبهم، والذي نفس محمد بيده لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي.
كلمة قصيرة ألقاها د. فاضل حسن شريف بعنوان (بمناسبة استشهاد الامام الجواد عليه السلام: تفاسيره القرآنية):
إن المناسبات السنوية لاهل البيت عليهم السلام وقفة لاستذكار سلوكهم وخطبهم لتكون وعظا وهديا للبشرية. قال عبد العظيم الحسني: يا ابن رسول اللّه ما معنى قوله عزّ و جلّ “فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ” (البقرة 173) قال: العادي السارق، و الباغي الّذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا لا ليعود به على عياله، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، و ليس لهما أن يقصّرا في صوم و لا صلاة في سفر.
قوله عزّ و جلّ: “الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” (الزخرف 67) قال الجواد عليه السّلام: الناس اشكال و كل يعمل على شاكلته، و الناس اخوان فمن كانت اخوته في غير ذات اللّه تعالى فانها تعود عداوة.
قوله جل جلاله: “وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى” (الليل 1-2) و قوله عزّ و جلّ: “وَ النَّجْمِ إِذا هَوى” (النجم 19) و ما أشبه هذا، قال الجواد عليه السلام: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقسم من خلقه بما يشاء و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به عزّ و جلّ.