الاجواء السيادية المباحة : فشل الطيران الإيراني في مواجهة تحدي الطيران الاسرائيلي: دروس من سيناريوا التجربة العراقية في 1991

صباح البغدادي

في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة، تبرز التساؤلات حول قدرة القوات الجوية الإيرانية على مواجهة تهديدات جوية محتملة، لا سيما في حال اختراق طائرات حربية إسرائيلية للمجال الجوي الإيراني. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة العراق في حرب الخليج الأولى عام 1991، عندما عجزت القوات الجوية العراقية عن الاشتباك مع طيران قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، مما جعل الأجواء العراقية مفتوحة للطيران الغربي. في هذا السياق سوف نحاول ان نستعرض أوجه التشابه بين الحالتين، مع التركيز على الفشل الإيراني الذريع في الاستفادة من دروس التجربة العراقية، وكيف أدت استراتيجيات التمويه العراقية في إطلاق الصواريخ إلى نجاح نسبي، بينما تعاني إيران اليوم من تحديات مماثلة نتيجة سوء التخطيط والتخبط والعشوائية وتداخل السلطات بين وزارة الدفاع والحرس الثوري وبالاضافة الى سياسات الانتقام المتسرعة.


خلال حرب الخليج الأولى، اختارت القوات الجوية العراقية استراتيجية الامتناع عن الاشتباك الجوي مع قوات التحالف، وذلك بسبب التفوق التكنولوجي والعددي لطيران الأخير. تم إخفاء معظم الطائرات العراقية في ملاجئ أو نقلها إلى دول مجاورة مثل إيران، مما جعل الأجواء العراقية تحت سيطرة قوات التحالف بشكل كامل. لكن الجانب اللافت في هذه التجربة كان قدرة العراق على إطلاق صواريخ “الحسين” و”العباس” على إسرائيل والسعودية، رغم المراقبة المكثفة من قوات التحالف.

اعتمد العراق على استراتيجيات تمويه مبتكرة، مثل استخدام منصات إطلاق متحركة وهياكل خشبية مزيفة مزودة بمحركات صغيرة لإصدار نبضات كهربائية تخدع أنظمة الرصد. هذه الاستراتيجيات أربكت قوات التحالف، بما في ذلك فرقة “جرذان الصحراء” البريطانية، التي فشلت في تحديد مواقع منصات الإطلاق في غرب العراق. قائد الفرقة، في لقاء صحفي لاحق، أقر بأن “التمويه العراقي كان فعالًا لدرجة أننا لم نتمكن من رصد أي منصة إطلاق حقيقية”. هذا النجاح النسبي يعكس قدرة العراق على التكيف مع التفوق الجوي للخصم من خلال استخدام استراتيجيات غير تقليدية طبقت على ارض الواقع.


على الرغم من الدروس القيمة التي يمكن استخلاصها من التجربة العراقية، يبدو أن إيران لم تدرس هذه التجربة بعمق ولم تستفد منها. بدلاً من تطوير استراتيجيات دفاعية مرنة تعتمد على التمويه والحركية، انخرطت إيران في سياسات انتقامية واسعة النطاق، مستغلة حالة الفوضى الأمنية في المنطقة. هذه السياسات، التي هدفت إلى “التصفية الجسدية” لأهداف محددة، لم تأخذ بعين الاعتبار التحديات اللوجستية والتقنية التي تواجهها القوات الجوية الإيرانية والاستفادة من ضباط ومهدندسين وفنيين انتاج الصواريخ العراقية بدلا من اعدامهم وتصفيتهم ضمن سياق انتقامها الطائفي.

الدعاية الإيرانية ركزت في السنوات الأخيرة على تحديث أسطولها الجوي، لكن الواقع كشف عن محدودية هذه التحديثات. الطائرات الإيرانية، التي تشمل طرازات قديمة مثل “إف-14” و”ميغ-29″، تعاني من نقص في قطع الغيار وصيانة غير كافية بسبب العقوبات الدولية. وعندما واجهت إيران تهديدات جوية محتملة، لجأت إلى نقل طائراتها الحربية، بما في ذلك المروحيات وطائرات النقل، إلى قواعد جوية نائية قرب الحدود مع أفغانستان وباكستان، في محاولة لتجنب استهدافها. هذا الإجراء يعكس غياب استراتيجية دفاعية فعالة، ويعيد إلى الأذهان قرار العراق بنقل طائراته إلى إيران عام 1991.
على غرار العراق، تمتلك إيران ترسانة صاروخية كبيرة، لكنها تواجه تحديات في استخدامها بفعالية. التجربة العراقية أظهرت أن التمويه والحركية يمكن أن يعوضا عن التفوق الجوي للخصم، لكن إيران لم تتبنَ هذه الاستراتيجيات. بدلاً من ذلك، اعتمدت على عمليات إطلاق صواريخ متسرعة، دون الاستفادة من اتساع الأراضي الإيرانية لتطوير منصات إطلاق متحركة أو مموهة. هذا النهج جعل صواريخها عرضة للرصد والتدمير، خاصة مع التفوق التكنولوجي لأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داود”.
إن عدم قدرة إيران على مواجهة التحديات الجوية يعكس غياب رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وفشلها في الاستفادة من دروس التجربة العراقية في 1991. في حين نجح العراق في استغلال التمويه لإطلاق صواريخه، تعاني إيران من قصور في التخطيط والتنفيذ، مما جعلها عاجزة عن مواجهة اختراقات جوية محتملة أو استخدام ترسانتها الصاروخية بفعالية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول جدوى الانخراط في صراعات إقليمية دون استعداد كافٍ، ويؤكد أهمية دراسة تجارب الحروب التاريخية لدول الجوار ودول العالم لتجنب تكرار الأخطاء. إن استمرار إيران في سياساتها المتسرعة دون الاستفادة من دروس الماضي قد يعرضها لمخاطر استراتيجية جسيمة في المستقبل او حتى اسقاط نظامها ولاية الفقيه الديني ونشاهد اليوم الحملة النفسية الدعائية والتي هي بموازية لشدة تاثيرها مثل القصف الجوي ومن على منصات التواصل الاجتماعي من قبل الرئيس الامريكي ترامب .