كامل سلمان
جميعهم يحتفلون بالنصر ، جميعهم فرحون مبتهجون ولكن أين الخاسر ؟ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي والشعب الأمريكي يحتفلون بالنصر لأنهم حققوا ما أرادوا بالقوة والدبلوماسية والحكمة وأثبتوا للعالم أنهم الأقوى بلا منازع ، فبعد فرض السلام بين إسرائيل وإيران أوعز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجمهورية الصين الشعبية بالسماح لها أن تستورد النفط الإيراني وبالكميات التي تشاء وعداً منه للإيرانيين برفع جزئي من الحصار ، الإيرانيون حكومة وشعباً يحتفلون بالنصر لأن بلدهم باق وقيادتهم باقية ولم يستسلموا استسلاماً كاملاً رغم الخسائر الكبيرة ، كذلك الإسرائيليون واليهود حول العالم يحتفلون بالنصر لأنهم حققوا ما كانوا يتمنونه طوال أربعة عقود .. الحقيقة التي لا غبار عليها فعلاً جميعهم انتصروا لأن معنى النصر هنا ليس النصر العسكري مئة بالمئة بل النصر أن يكون للعقل كلمته فلتسكت الشعارات الفارغة التي صدعّت رؤوسنا ولتذهب للجحيم وليبقى قول الفصل للحكمة ، ستنشغل كل من إيران وإسرائيل بمداواة جراحاتهم وإعادة بناء بلدانهم وليتفرغ المجتمع الدولي لإحلال السلام بين روسيا وأوكرانيا . العالم اليوم على قناعة بأن الحروب يجب أن لا تكون الحل النهائي .. من دروس الحرب الإسرائيلية الإيرانية هو أن الإيرانيين أدركوا بأن تعاطف حكومات وشعوب جيرانهم أهم مكسب لهم وأهم من أي شيء أخر ، فبات عليهم إعادة الحسابات مع شعوب وحكومات المنطقة فقد إكتشف الإيرانيون أخيراً بأن هؤلاء ليسوا أعداءاً كما كانوا بظنونهم وإنما أخوة العيش المشترك لإلاف السنين وأخوة الجوار والدين التي مازالت باقية . أما الإسرائيلون فقد اقتنعوا بأن دول وشعوب المنطقة يمكن لها التعايش مع الدولة اليهودية ولكن بشرط أن ينال الشعب الفلسطيني حقه ولا تعايش بدون حق الشعب الفلسطيني ، أما الدرس الأهم هو أن الدول العظمى ودول العالم الغربي أصبحوا على قناعة كاملة بأن السلام والإستقرار في الشرق الأوسط هو السبيل الوحيد لديمومة مصالحهم و لإنعاش الأقتصاد العالمي وبناء أواصر الصداقة والمحبة مع الجميع ، لا ننسى أن السر الخفي لضراوة الحرب الإيرانية الإسرائيلية هو الدين ، فعندما يكون الدين سبباً للنزاع حتماً سيكون النزاع دموياً ، ومتى ما أصبح الدين طريقاً للمحبة والسلام سيعم الخير للجميع وسيكون كل شيء ممكناً فالمصالحة الدينية تفسح المجال الواسع للمصالحة السياسية وهذا ما سوف يحدث بعد هذه التجربة المريرة ، إذا الخاسر الوحيد في هذه الحرب هي الإيدلوجيات المتطرفة والتعصب الديني والحسابات الأحادية التي أثبتت هزيمتها ولم تعد تقاوم إرادة العقل والمنطق .. لو هُزمت إيران نهائياً في هذه الحرب لأصبح العالم على قناعة مطلقة بأن القوة وحدها يجب أن تحكم العالم ، ولو هُزمت إسرائيل لأصبح العالم على قناعة بأن الإيدلوجيات وحدها يجب أن تحكم العالم ولكن ما حصل أن القوة والإيدلوجية لم تحسما الأمور وإنما حسمتها الحكمة والعقل لذلك شعر الجميع بأنهم منتصرون لأن بوجود العقل ليس هناك خاسر . لقد كانت الحرب العالمية الثانية بكل ما حملته من دمار وألم سبباً كافياً لنهضة الشعوب الأوربية وتطورها وترابطها لأنها كانت ضحية تلك الحرب القاسية واليوم ستكون نتائج الحرب المدمرة في الشرق الأوسط والتي كان ضحيتها شعوب ودول المنطقة سبباً كافياً لنهضة دول وشعوب الشرق الأوسط من جديد على قاعدة جديدة ورؤية جديدة أساسها السلام واحترام حقوق الجميع . فهل سنشهد الحياة الهادئة الجميلة التي كنا نحلم بها والتي لا نسمع فيها صوت المدافع والصواريخ وصراخ النسوة والأطفال أم إنها ستبقى مجرد أمنيات ؟