كامل سلمان
هل سندخل عصر الخلاص ؟ نعم سندخل عصر الخلاص ، ولكن الخلاص من ماذا ؟ هل الخلاص من الفقر والحرمان والمرض . هل الخلاص من الجهل والحروب والأنظمة الدكتاتورية . هل الخلاص من الظلم والحيف . هل الخلاص من الديانات والفكر الراديكالي والإرهاب . هل الخلاص من الاستعمار وهيمنة القوي على الضعيف ؟ أكيد لا ، فكل هذه الأحوال باقية مع بقاء الإنسان ، إذاً الخلاص من ماذا ؟ لو نظرنا إلى حياة المجتمعات الصناعية المتقدمة خلال القرنين الأخيرين سنلاحظ هنالك أشياء وتغيرات عصفت بحياة تلك المجتمعات ثم سرعان ما انتقلت تلك التغيرات ولو بشكل بطيء إلى حياة المجتمعات الأخرى . فبسبب النهوض الصناعي الهائل إزدادت أحتياجات الإنسان إلى نتاجات تلك الثورة الصناعية وفوران التكنلوجيا فأصبحت الحاجة إلى المنتجات التكنلوجية والصناعية ضرورات حياتية يومية لابد منها من مطاعم الوجبات السريعة إلى أجهزة النقال إلى أجهزة الغسيل والتنظيف إلى المعطرات والمنبهات والمنشطات والانترنيت ووسائط النقل السريعة وكثير غيرها ، فهذه المتطلبات تحتاج إلى موارد اقتصادية مستمرة وغير منقطعة والموارد الاقتصادية تستوجب العمل واحياناً العمل لساعات طويلة ومنهكة ، لذلك أصبح المواطن في الدول الصناعية المتقدمة يعمل طوال الأسبوع لسد احتياجاته الضرورية ومتطلباته المستمرة ، هذا العمل المستمر يستوجب ساعات طويلة من الراحة والنوم فبدأت تنعكس نتائج تلك التغيرات على طبيعة الإنسان القديمة ، فبدأ يقلل من حضور المجالس والدواوين التي كانت تقتل وقت الفراغ ، وحتى تبادل الزيارات العائلية ولقاء الأصدقاء وسهر الليالي بدأت تتقلص إلى درجة كبيرة ، كل هذه المؤثرات أنعكست على النشاطات الفكرية للإنسان فلم يعد إنسان المجتمعات المتقدمة يبحث عن الأفكار الثورية والتجمعات الدينية والمجالس الترفيهية مثل المقاهي والكازينوهات إلا في عطل نهاية الأسبوع أو بعض المناسبات وبشكل محدود جداً . هذه المجالس في مجتمعاتنا تمثل روح الحياة لجميع النشاطات اليومية ، فعندما تنتهي وتزول أوقات الفراغ بسبب الركض وراء العمل ستموت وتضمحل معظم هذه النشاطات التي كانت مرتعاً للتنظيمات والأحزاب ونشر الأفكار في السابق والتي لم تقدم شيئاً ملموساً لحياة مجتمعاتنا ، كل هذه الأشياء أنقرضت تقريباً في المجتمعات الصناعية فبالتأكيد ستعصف الموجة بمجتمعاتنا ولو بعد حين . رب سائل يسأل بأن مجتمعاتنا ليست مجتمعات صناعية فكيف ستصل تلك الموجة ؟ هناك عشرات الدول غير الصناعية أصابها الفقر والعوز بسبب الحروب أو بسبب قلة الموارد أو المجاعات منها فيتنام لاوس، كمبوديا ، بنغلاديش ، دول آسيوية وأفريقية ولاتينية كثيرة . تلك الدول بسبب ضعف اقتصادياتها أصبحت مادة شهية للشركات الغربية العملاقة لنقل معداتها هناك وتشغيل الأيدي العاملة الرخيصة فأصبح المواطن في تلك الدول الفقيرة ينتعش اقتصادياً ثم يبحث عن متطلبات الحياة الطبيعية حاله حال الإنسان في الدول الغربية ولو بشكل أقل فأصبحت حياة مجتمعات تلك الدول بالضبط بنفس شاكلة حياة المجتمعات الصناعية وإن كانت أقل درجة ، فأصبح المواطن هناك يبحث عن العمل والحياة الجديدة وزوال وقت الفراغ ، فذاك المواطن الفيتنامي الثوري الذي كان يتغنى بحياة هوشي منة لعشرات السنين تجده الأن يتغنى بحياة الشركات الغربية و الأمريكية العملاقة على أرضه فتغيرت الأحوال وتخلصت شعوب تلك الدول من نمط وأسلوب حياتها القديمة وأصبحت مواكبة لحركة الحياة الجديدة ، هذه الموجة موجة التغيرات ستعصف بمجتمعاتنا شئنا أم أبينا وسيكون الفراغ حسرة على العباد وعلى الشباب عندها سيكون الخلاص من مجالس الفراغ التي كانت تزق عقول الشباب بالخزعبلات بما يخدم مصالح فئات معينة . إذاً هو عصر الخلاص من مخلفات أفكار الفراغ وما كان ينتج عنها ، هو عصر الخلاص من العقليات الثورية العاطفية التي ترخص حياة الشباب وتدفعهم للموت ، عصر الخلاص من الاسترخاء المميت ، عصر الخلاص من مجالس الوعاظ وذكريات السلف الصالح فكل العالم حولنا أصبح حاله العمل والإنتاج وانتظار ساعات الراحة للنوم لبدأ يوم جديد من العمل ليتصارع مع حاجاته اليومية ولا ينتظر يوماً جديداً لسماع سمفونية الخرافات التي يعاد تكرارها على مسامعه ، فالتغيرات قادمة والخلاص من نمط الحياة الكلاسيكية التي تعتمد على الجلوس لساعات طويلة لسماع المحاضرات والمواعظ وقضاء الساعات الطويلة في المقاهي أو الزيارات العائلية وغيرها من الفعاليات الاجتماعية الرتيبة . إذاً هي مرحلة حياتية جديدة ستؤثر على الأفكار قبل الأحوال وهذه هي ثوابت العولمة التي يتساءل عنها الناس ، إنه الخلاص من أسوأ شي ورثناه أن تكون طاقاتنا للفتن والحروب وعقولنا بيد من يريد أن يسيرنا كيفما يشاء مستغلاً فراغنا الزمني والعقلي . وختاماً فلنتذكر جميعاً بأن المواطن الذي سيتعب كثيراً لنفسه ولعياله ولمجتمعه ولوطنه سيعرف بأن قيمة الحياة التي يعيشها لم تأتي من فراغ وحينها سيعرف كيف يحاسب الفاسد إذا فسد .