ناجي الغزي
في زوايا الخطاب الإعلامي والسياسي العربي، لم يعد الهجوم على الشيعة يأتي من خارج الأسوار، بل يُدار في كثير من الأحيان من داخل البيت نفسه، بأدوات أكثر دهاءً ووجوه أكثر حذقًا. ما يسمى بـ”جحوش الشيعة” هؤلاء لا يأتون بالسلاح، ولا بالشعارات الطائفية الصارخة، بل يأتون بوجه المثقف، الإعلامي، والمحلل، أو صاحب الصوت المتزن الذي يُمسك العصا من المنتصف، بينما يغرز رأسها في خاصرة مذهبه.
“الجحوش” هنا لا يُراد بها شتيمة أو إسقاط لغوي فجّ، بل توصيف دقيق لمجموعة تعمل بوظيفة سياسية مزدوجة: تفكيك النسيج الشيعي من داخله، وتقديمه كجسد مأزوم في خطاب عربي معادٍ، يطالب الشيعة دائماً بالاعتذار عن وجودهم، ويُحمّلهم أوزار الجغرافيا والتاريخ.
هؤلاء لا يُمارسون النقد فقط، بل يُؤدّون أدواراً وظيفية. فهم لا يصوغون وعياً مغايراً، بل يُعيدون إنتاج أجندات إقصائية مغلّفة بلغة التفكيك والتحليل، موجهة بدقة نحو المرجعية، ومحور المقاومة، والحضور الشيعي في معادلات القوة.
*جوقة الإعلاميون ومقدمو البرامج*
لم تعد القنوات الممولة من الخارج بحاجة إلى مهاجم مباشر أو ضيف تكفيري. يكفي أن تستضيف وجوهاً شيعية مألوفة، تتحدث بلهجة داخلية، لكنها تُمارس التحريض الأكثر خطورة لأنها تتسلل من داخل الأسوار. مقدمو البرامج السياسية يعرفون ما يفعلونه تماماً: يختارون ضيوفاً من النوع الصاخب والحاقد، أولئك الذين يجيدون إثارة الغبار لا إزاحة الالتباس، والذين كلما زاد ضجيجهم قلت رؤيتهم، وكلما علا صوتهم خفت عقلهم.
هؤلاء لا يطرحون أسئلة، بل يفخخون الطاولة بالمفردات الملغومة: وأبرز مواضيعهم وأهم محاورهم لماذا فشل الحشد الشعبي في بناء مشروع وطني؟ هل أصبحت النجف تحت عباءة قم؟ وهل فقد حزب الله شرعيته الوطنية؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات، بل عن شرعية للشتيمة، وسقف لحوارٍ خاوٍ يتقن استعراض التناقضات، لكنه لا ينتج فهماً أو وعياً سياسياً. الجحوش في هذه البرامج يؤدون دورهم بمنتهى الالتزام: يجلدون ذاتهم وجلدوهم، ثم يقدمونه قرباناً على موائد ممولة من دم ذويهم.
*الازدواجية المقصودة*
بعض من هؤلاء الجحوش لا يتحدثون بلغة الشتيمة، بل بلغة التفكيك، وهذا ما يجعلهم أكثر خطورة. يُثني أحدهم على مرجعية السيستاني، ثم يوظف المديح لإدانة إيران يفعلون ذلك بوعي مقصود، كالذي يدس السم بالعسل. ويمدحون النجف، ثم يُلمّحون إلى أن قم مختنقة فكرياً. يتحدثون عن الثنائي الشيعي في لبنان حزب الله وحركة أمل، ثم يُحمّلونهم مسؤولية خلق “المسألة الشيعية”، وكأن الضحية باتت متّهماً بمجرد أنه ما زال يتنفس.
هذه الكتابات والخطابات البائسة والمكشوفة لا تُنتج وعياً، بل تُنتج شعوراً بالذنب الجماعي داخل البيئة الشيعية، وتُمهّد لخطاب الإلغاء الذاتي، حيث تصبح المقاومة عبئاً، والمرجعية عقدة، والحضور السياسي تهديداً.
* جحوش بلا مشروع*
الخطير في الأمر أن ما يُقال باسم الشيعة اليوم ويستعرض في وسائل الإعلام العربي، بات يمثل الضد النوعي، يُستخدم ضد أبناء مذهبه، داخل مؤسسات القرار الإقليمي والدولي. الجحوش لا يُمثلون الوعي الشيعي، بل يشوّهونه، ويُعرّفونه للخارج بلغة تُرضي الخصوم وتحرّض على الداخل.
هم ليسوا مثقفين بالمعنى الحر، بل أدوات مشروع متكامل في أجندة الهدم الناعم، يسعى هؤلاء الجحوش إلى تفتيت القوة الرمزية والسياسية والاجتماعية للشيعة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وتحويلهم من شركاء في الجغرافيا إلى ملفات أمنية وقضايا إشكالية يجب تفكيكها أو احتواؤها أو محوها.
ما لم تنجح فيه داعش بالسيف، تحاول هذه الجوقة فعله بالميكروفون. لم يتمكن الإرهاب من كسر الحشد الشعبي، لكن بعض المنصات الإعلامية تمارس اليوم وظيفة تقويض شرعيته عبر خطابات داخلية باردة، تنزع عنه قدسيته، وتعيد تشكيل صورته كـ “ميليشيا متهمة”، لا قوة تحرير وطني. وبالطريقة نفسها، يتم تصوير حزب الله لا كحركة مقاومة أفشلت المشروع الصهيوني، بل كحزب متورط في إجهاض الدولة.
الجحوش الذين يطرحون أنفسهم بديلا سياسياً مدنياً، لا يطرحون بديلاً سياسياً مقنعاً للشارع، لأنهم لا يحملون أصلاً مشروعاً، بل يُحسنون تأدية دور الناقد المأجور الذي يرقص على حواف الحريق، ثم يتهم أصحابه بافتعاله.
*مواجهة الخيانة المقنّعة*
الصمت عن هؤلاء لم يعد ترفاً، أو خياراً يمكن تبريره بالحرص أو التجاهل، فقد تجاوز الخطر حدود الكلمات، وأصبح ما يُقال بإسمنا، ومن داخل بيئتنا، يُستخدم بوضوح لضربنا وتحريف صورتنا. إن ترك الساحة مفتوحة لـ”جحوش الشيعة” ليكونوا هم من يُعرّف الشيعة، ويرسم ملامح هويتهم، ويختار لهم موقعهم وتحالفاتهم، هو فعل خيانة مضاعفة؛ لا تُقارن بخيانتهم المعلنة، بل تفوقها حين نقبل بها ونسكت عنها.
نحن بحاجة إلى أصوات جريئة وشجاعة تُفكك الأكاذيب، وتغوص في عمق المعركة لاسترداد الخطاب من الطارئين عليه، ولتفكيك سرديات الزيف التي صارت تتحدث بإسمنا، فيما جوهرها خيانة مغلّفة بالحكمة الزائفة. فالمسألة اليوم لا تتعلق بحرية التعبير كما يحلو للبعض أن يزعم، بل بحرية الكينونة والحق في الوجود بهوية غير قابلة للتزييف أو المصادرة.
المواجهة الحقيقية لم تعد محصورة في جبهات الخصوم التقليديين، بل باتت أكثر إلحاحاً مع تلك الجوقة الناعمة التي تفتح الأبواب أمام الغزاة بأيدٍ داخلية، ثم تُحمّل الضحية تبعات الخراب.
هؤلاء هم *الجحوش الحقيقيون*: ليسوا من فرّط في بندقية، بل من فرّط في الذاكرة الجمعية، وساوم على الكرامة، وباع اللسان في أسواق الاصطفاف الإعلامي بثمن لا يساوي جملة واحدة من الحقيقة.