القرآن الكريم وأخذ العبرة من انتكاسة ثورة العشرين العراقية 1920 (ح 9)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
العبرة من قصة ثورة العشرين العراقية عام 1920 دروسها أن العدو الداخلي أهم من العدو الخارجي وأن البرغماتية في التعامل للوصول الى منفعة الشعب مطلوبة جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى في عبرة “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” ﴿يوسف 111﴾ “لقد كان في قصصهم” أي: في قصص يوسف وإخوته “عبرة” أي: فكرة وبصيرة من الجهل وموعظة وهوما أصابه (عليه السلام) من ملك مصر والجمع بينه وبين أبويه وإخوته بعد إلقائه في الجب وبيعه وحبسه وقيل: في قصصهم عبرة لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلّم لم يقرأ كتابا ولا سمع حديثا ولا خالط أهله ثم حدثهم به في حسن معانيه وبراعة ألفاظه ومبانيه بحيث لم يرد عليه أحد من ذلك شيئا فهذا من أدل الدلائل على صدقه وصحة نبوته “لأولي الألباب” أي: لذوي العقول “ما كان حديثا يفترى” أي: ما كان ما أداه محمد أوأنزل عليه حديثا يختلق كذبا “ولكن تصديق الذي بين يديه” أي: ولكن كان تصديق الكتب الذي بين يديه لأنه جاء كما بشر به في الكتب عن الحسن وقتادة “وتفصيل كل شيء” أي: وبيان كل شيء يحتاج إليه من الحلال والحرام وشرائع الإسلام “وهدى” أي: ودلالة “ورحمة” أي: ونعمة ينتفع بها المؤمنون علما وعملا “لقوم يؤمنون” إنما خصهم بذلك لأنهم المنتفعون به دون غيرهم وبالله التوفيق والعصمة وهو حسبنا ونعم الوكيل.

جاء في صوت الجالية العراقية عن في ذكرى مأساة ما بعد ثورة العشرين للدكتور علي المؤمن: أما نخب السُّنة في العراق، من الضباط والسياسيين العثمانيين المتجذرين في الدولة العثمانية، فقد كانت تحركاتهم وخياراتهم على النقيض تماماً. ويمكن تلخيص سلوكهم السياسي بما يلي: 1- عقدت النخب السنية تحالفاً مذلّاً وارتزاقياً مع البريطانيين، حوّل عناصرها من موظفين في أجهزة الدولة العثمانية إلى عملاء تنفيذيين بيد الاحتلال البريطاني. 2- انقلبت النخب السنية على الدولة العثمانية، التي كانت وليّ نعمتها وسيدتها لأربعة قرون، بمجرد أن لاح لها ضعف العثمانيين واقتراب نهايتهم. 3- حاربت النخب السنية ثورة العشرين بضراوة، من خلال الانخراط في الجهد العسكري أو الاستخباري البريطاني، وبثّ الإشاعات والدعايات، وإثارة الانقسامات بين الشيعة والثوار، واستصدار فتاوى من بعض مشايخ السنة ضد الثورة. 4- تحركت النخب السنية في سبيل الاستحواذ على السلطة ببراغماتية مطلقة، دون اعتبار للثوابت الدينية أو الوطنية. وظلت تمارس لعبة السلطة بإتقان، مستثمرة الدعم البريطاني الحصري المباشر لها، وتمتعها بالخبرة السياسية المتراكمة، نتيجة خدمتها الطويلة في مؤسسات الدولة العثمانية، وتربيتها في أحضانها. لذلك، كان )الوطن) بالنسبة للنخبة السنية يعني (السلطة) فقط، فهي لا تؤمن بوطن لا تحكمه، وشعارها: «لا وطن بلا سلطة»، أو باللهجة العراقية: «ماكو سلطة.. ماكو وطن». فإذا لم تكن ممسكة بزمام السلطة، فلا يعنيها إن احترق الوطن. أما شعارات الوطن والوطنية، فلم تكن سوى سردية دعائية تلقِّنها للشيعة لاستدراجهم إلى التضحية، وتوظيفهم خدماً في وطن تحكمه، وحطباً لحروبها ضد أبناء الوطن أو جيرانه، تحت لافتة (الوطنية). ولا شك في أن بريطانيا، لو كانت قد سلّمت السلطة في العراق إلى الشيعة آنذاك، لعادت معظم النخب السنية إلى مواقعها في تركيا، وظلت على تبعيتها للعثمانيين، بل لحاربت العراق بضراوة. ولم يكن من الممكن أن تفكر النخب الشيعية بأسلوب تفكير النخب السنية، ولا أن تمارس سلوكياتها، ليس بسبب ضعف خبرتها السياسية أو عدم اهتمامها بموضوع السلطة، وإنما لأن ثوابتها الدينية والوطنية كانت تمنعها من ذلك. كما أن بوصلتها غالباً ما كانت تتجه نحو المرجعية الدينية، التي تمثل ضمانة التزام الشيعة بتلك الثوابت. لكن، في المقابل، كان يمكن للنخب الشيعية أن تعتمد التفكير الاستراتيجي والتكتيك المرحلي، وأن تخطط لما بعد كل معركة، بدل أن تخوضها بلا رؤية واضحة لما بعدها. لقد كان عليها أن تستثمر الثغرات والفرص، وأن تضع عينها على السلطة في كل خطوة، بدل أن تظل أسيرة أوهام (الوطن)، وهي محرومة من أبسط الصلاحيات أو الأدوار، وتحت وطأة التهميش والقمع. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن تفوز النخب السنية بكل شيء، وأن يخسر الشيعة كل شيء.

جاء في صوت الأمة العراقية عن ثورة العشرين بين التقييم الوطني والموقف الشيعي للكاتب سلمان رشيد الهلالي: خلال مرحلة الاحتلال البريطاني للعراق والحكم المباشر (1914-1920) انقسمت الادارة الانكليزية حول طريقة التعامل مع القبائل والشيوخ الى فريقين: الاول: ويراسه ستيفن لونكريك S.Longrigg، ويطالب بالتعاون والانحياز الى الاغلبية من الفلاحين الصغار على حساب سلطة الشيوخ الكبار، وملاكي الاراضي الزراعية، ودعم مطالب صغار المزارعين في ملكية الارض، وتحطيم السلطة التقليدية لشيوخ القبائل. الثاني: ويراسه هنري دوبس H.Dobbs، ويطالب بالتعامل والتعاون مع الاقلية من الشيوخ والملاكين واصحاب الحيازات الواسعة، من اجل بلورة قاعدة اجتماعية تدعم النظام السياسي الجديد، وترسخ سلطة الاحتلال في البلاد. وبعد مداولات بين البريطانيين، تم الاتفاق على اختيار النمط الثاني، وتقوية نظام المشيخة الذي كان في طريقه الى التدهور، من خلال جملة اعمال، اهمها سن نظام خاص لادارة المناطق العشائرية والريفية، فاصدرت الادارة البريطانية قانون او نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية عام 1916. الذي يهدف الى تعزيز سلطات الشيوخ القضائية، واعادة بناء المجتمعات العشائرية واخضاعها للانظمة البدوية والريفية. وطبقت الادارة البريطانية هذا النظام في جميع الاجزاء التي يوجد فيها المجتمع القبلي والريفي في العراق عام 1918 واقرته الحكومة العراقية كقانون مستقل عن القانون المدني عام 1922 وبقي معمولا به حتى ثورة تموز 1958. وهذا ان دل على شيء فانه يدل على ان الانكليز انحازوا للشيوخ وهم الاقلية في المجتمع في مقابل الاغلبية وهم الفلاحون والمزارعون الذين اصبحوا مثل الاقنان والعبيد عند اولئك الشيوخ وكان الثمن هو سكوتهم عن جميع المطالبات السياسية والحركات الثورية التي تنادي بالاصلاح والعدالة والديمقراطية الحقيقية. وكانت المكافاءة اصدار حزمة من القوانين قدمت باقتراح من قبل الخبير البريطاني ارنست داوسن A.Dowson الذي قدم تقريره عام 1931 حول مشكلة الاراضي الزراعية في العراق وهي (قانون تسوية حقوق الاراضي رقم 50 لسنة 1932 وقانون اللزمة رقم 51 لسنة 1932 وقانون الحقوق وواجبات الزراع رقم 28 لسنة 1933) التي اعطت الحق القانوني للشيوخ بالاستيلاء على الاراضي التي كانت ملكا مشاعا للعشيرة وتسجيلها باسمائهم. وختاما نقول اذا كانت حركة الجهاد التي اطلقها رجال الدين الشيعة ومراجعهم في النجف وكربلاء والكاظمية ابان الاحتلال البريطاني للبصرة عام 1914 لها مايبررها بحكم العاطفة الدينية والانسياق للحكم الشرعي في الجهاد الدفاعي فان ثورة العشرين ومواجهة الانكليز بالقوة المسلحة ليس لها اي تبرير او وازع عقلاني وموضوعي باعتبار ان الانكليز قد مدوا الكثير من الجسور والتفاهمات مع الناس ورجال الدين والمثقفين وشيوخ العشائر بعد سيطرتهم على البلاد ويمكن التعامل السياسي والحضاري معهم والمطالبة بالحقوق وغيرها. وهذه السلوك الثوري المسلح هو من اعطى للانكليز الحجة بتهميش الشيعة واستبعادهم عن الادارة والحكم ابان تاسيس الحكومة المؤقتة التي كلف السير برسي كوكس الشيخ عبد الرحمن النقيب بتشكيلها في تشرين الثاني 1920 او بعد التاسيس الرسمي للدولة العراقية في اب 1921. وكما ذكرت ان ثورة العشرين اعطت الحجة لتهميش الشيعة عن الادارة والحكم ولم تكن السبب الاساس اذ لو كان السبب الرئيسي هو الثورة فلماذا حصل تهميش للكورد ايضا بعد تاسيس الدولة العراقية مثل الشيعة واقتصار السلطة على الاقلية السنية العربية؟ في الواقع ان الانكليز بالاصل لم يتحملوا الكورد والشيعة حتى نسب القول لونستون تشرشل (بانهم قبائل غير متحضرة) وكان يؤيد بشدة استخدام الغاز السام ضدهم – كما يذكر الكاتب الكوردي شيركو كرمانج – الذي علق على ذلك بالقول ( وبالتالي فقد بنيت هوية دولة العراق على اساس ماتفضله سلطة الاحتلال البريطانية التي استبعدت الى مدى بعيد الكرد والشيعة وصار هذا واحدا من الاسباب الرئيسية لداء العراق المزمن).

جاء في كتاب ثورة العشرين ودورها في تأسيس الدولة الطائفية للدكتور عبدالخالق حسين: موقف الدولة الوليدة من المرجعية الشعية: إن حرب الجهاد وثورة العشرين قد بينتا بوضوح ما للمرجعية الدينية الشيعية من نفوذ قوي في البلاد وتأثيرها الروحي على الجماهير. فكلمتهم مسموعة وبذلك كانوا يشكلون خطراً على سلطة الاحتلال، ومن بعدها على سلطة الحكم الأهلي، إذ يقول الباحث إسحاق نقاش في هذا الخصوص: “وكان وجود مؤسسة دينية (شيعية) على هذا القدر من الاستقلال والنشاط السياسي، يشكل خطراً على السلطة العراقية الوليدة. لذا سعت الحكومات السنية العراقية المتعاقبة إلى اجتثاث سلطة المجتهدين الشيعة والمؤسسات الشيعية في البلاد والحد من الصلات القائمة بين النجف وكربلاء وإيران.”. ومن هذه الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، إسقاط الجنسية العراقية عن الشيخ مهدي الخالصي، أحد قادة ثورة العشرين، ونفيه إلى إيران بأمر من وزير الداخلية محسن السعدون في حكومة ناجي شوكت. وقد بلغت عملية الاجتثاث الذروة في عهد حكم البعث حيث بدأت عملية قتل رجال الدين الشيعة كما حصل للسادة: مهدي الحكيم، والشيخ عارف البصري، ومحمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى، ومحمد صادق الصدر، وغيرهم من رجال الدين الأقل مرتبة في تراتبية الشيعية. وهكذا نلاحظ أن هناك علاقة جدلية بين الاستعمار البريطاني وتأسيس الدولة على أسس طائفية في العراق، إذ كما يقول حسن العلوي: “وقد يكون صحيحاً ان “المسلمين” استعانوا بالاستعمار لتحقيق أهدافهم الطائفية، كما استعان الإستعمار بالطائفيين لتحقيق أهدافه. وقد يكون عبد الرحمن النقيب ورجال السلطة العراقية، هم المثال الصارخ على استعانتهم بالإنكليز واستعانة الإنكليز بهم.