رياض سعد
حدث ذات فراغٍ لا يشبه الفراغ، حين تسللت إلى روحي نارٌ لا تُرى.. , لم تأتِ لتحرق شيئًا، بل لتكشف ما كان محترقًا منذ زمن.. , كانت تمضي في أعماقي كما يمضي الدم في عروق الكائنات، وكما تمضي الإشارة الخفية في قلب العارف حين تلامسه يد الغيب دون أن يراها.
عندئذٍ استيقظت.
لا من النوم، بل من يقظةٍ طويلة كنت أظنها الحياة.
ولأول مرة رأيت نفسي.
رأيتها جالسةً في آخر ممرات الروح، مغطاةً بغبار السنين، تحدق بي بصمتٍ يشبه العتاب.. , كأنني كنت أعيش خارج ذاتي، أرتدي وجوهًا كثيرة، وأتحدث بأصواتٍ ليست لي، وأحسب أنني أنا.
ومنذ تلك اللحظة لم أعد أعرف: هل خرجتُ من الموت إلى الحياة، أم من الحياة إلى موتٍ أكثر شفافية؟
كل ما أعرفه أن الأشياء فقدت حدودها القديمة.
أصبحتُ قلقًا مطمئنًا، ومطمئنًا على حافة الهاوية.. , أحزن وفي قلبي شجرة ضوءٍ لا تنطفئ، وأبتسم بينما تعبر الدموع وجهي كأنها اعترافٌ متأخر، لا اعتذار.
قالوا إن النور يطرد الظلام، وإن الأبيض لا يجاور الأسود، وإن الأضداد لا تلتقي إلا لتفترق.
لكنهم لم يخبروني عن تلك البقعة الرمادية المعلقة بين العالمين؛ تلك الأرض السرية التي يتصافح فيها الليل والفجر، ويتبادل فيها اليقين والشك أسرارهما القديمة.
هناك أسكن الآن.
هناك أرى النقيضين وهما يتعانقان داخل مرآةٍ واحدة.
فكيف اتسعت روحي لكل هذا؟
كيف أصبحتُ وطنًا للأشياء المتعارضة؟
منذ متى صار في داخلي متسعٌ للنور والظلمة، للإيمان والحيرة، للقوة والانكسار، للحب والخوف؟
أهي نعمة الوعي؟
أم لعنة الوصول المتأخر؟
أم تلك الرجفة الخفية التي يسميها البعض تجليًا، ويسميها آخرون جنونًا؟
أما أنا فلا أجد لها اسمًا سوى أن يصبح الإنسان مرئيًا لنفسه فجأة.
كم كنتُ ضيقًا حين كنتُ متطرفًا في كل شيء.
كنتُ أحب بعنف، وأكره بعنف، وأؤمن بعنف، وأرفض بعنف.
كنتُ أختبئ داخل لونٍ واحد خوفًا من الضياع، غير أنني كنت ضائعًا بالفعل، وأحسب نفسي مكتملًا.
أما اليوم، فلم أعد أنتمي إلا للرحلة.
لا أؤمن بالاصطفافات الحادة، ولا بالأجوبة المغلقة، ولا بالوجوه التي تدّعي النقاء الكامل.
لقد اكتشفت أن الإنسان ليس لونًا واحدًا، بل غروبٌ طويل تتجاور فيه جميع الألوان.
أنا الآن خليطٌ من نورٍ يرتجف، وحيرةٍ مضيئة، وضعفٍ جميل، وفرحٍ هش، وحزنٍ شفاف كالماء.
أشعر أخيرًا أنني موجود.
أنني ألمس ذاتي للمرة الأولى.
أنني ولدت بعد عمرٍ كامل من الولادات المزيفة.
غير أن الحقيقة جاءت متأخرة كعادتها.
جاءت بعد أن عبرت القطارات محطاتها، وبعد أن ذبلت مواسم كثيرة في حدائق الروح.
ولهذا يؤلمني هذا الاكتشاف بقدر ما يخلصني.
فما أقسى أن يصل الإنسان إلى نفسه حين تكون الطرق كلها خلفه.
وما أدفأ هذا الوجع.
وما أمرّ هذه الحكمة الأخيرة:
لقد صرتُ إنسانًا…
إنسانًا حقًا…
لكن بعد أن مضى العمر، ولم يبقَ من الوقت إلا صداه.