رياض سعد
حين تتسرب الرداءة إلى الأرواح
لأننا نعيش في بيئة معطوبة، تتسرب العطب إلى أرواحنا.
ولأن الهواء مشبعٌ بالخيبة، نتنفس الخيبة حتى في أحلامنا.
الحياة الرديئة لا تمرّ بنا مرور الكرام، بل تنغرس فينا كما تنغرس الشوكات في خاصرة الورد، فتعلّق بنا، وتشوه ذائقتنا، وتربك معاييرنا، وتنسج حول وعينا قشرة قاسية من البلادة واللامبالاة.
الفقر ليس مجرد حرمان من المال، بل هو هندسة قسرية للنفوس، وقمع يومي للكرامة، وتشويه عميق للذائقة.
في البيوت الضيقة، والحواري والازقة التي تشبه سجونًا مكشوفة، يولد الأطفال وهم يحملون عبء العالم فوق أكتافهم الصغيرة، يرضعون من أثداء الحزن، ويتعلمون مبكرًا فنّ التنازل، والمراوغة، والصراخ الصامت.
الرداءة ليست خيارًا… إنها عدوى.
حين يُولد الإنسان في بيئة طافحة بالقبح، وينشأ في مجتمع يقدّس العنف والضجيج والنفاق، يصبح من الطبيعي أن يَعتاد القسوة، ويَستسهل الكذب، ويَستسيغ الخيانة.
فمن تربى بين الجدران المتهالكة , والغرف الضيقة ، والمقاعد المهترئة، والكلمات المبتذلة، يصعب عليه أن يُصدّق وجود الجمال إلا بوصفه حلمًا بعيدًا أو أكذوبة تروّجها الأفلام.
البيئة الرديئة تُنتج ذهنيات مشوهة، وتغذّي سلوكيات منحرفة :
فتجد الشخص يسرق لأنه لم يرَ قدوة صالحة.
ويغشّ لأنه لم يجد من يحترم الصدق.
ويكره الآخر لأنه لم يتعلم كيف يحب نفسه.
الرداءة تخلق لنا “أنا” مريضة، متحفّزة دائمًا للدفاع، للهجوم، للتهرّب… ؛ لأنها تشعر بالتهديد الدائم، بالعوز الدائم، بالقهر المستمر.
إننا لا نُولد رديئين، بل نُصاغ على مهل في أفران القبح الاجتماعي والسياسي والمعيشي.
وما لم نكسر القوالب، سنبقى نستنسخ القبح ذاته، ونلعن نتائجه ونحن نعيد إنتاجه كل يوم.
فلا تسأل عن سبب رداءة الإنسان قبل أن تسأل عن رداءة بيئته…
ولا تلعن الشوك قبل أن ترى كم دُفن تحته من ورد ذُبح قبل أن يتفتح.
هذه ليست دعوة للتبرير، بل صرخة للفهم.
لأن الشفاء يبدأ بالوعي.
والوعي يبدأ حين ندرك أن الرداءة ليست قدرًا، بل نتيجة.
وأن الجمال — برغم اختناقه — لا يموت، بل ينتظر من ينقذه من الطحالب.