المرشحون في زمن الانقسام: أزمة القيادة والتمثيل في المجتمع العراقي

حسين شكران الأكوش العقيلي

في كل موسم انتخابي، يُعاد فتح الجرح العراقي ذاته، جرحٌ لم يندمل منذ أن تحوّل صندوق الاقتراع إلى مرآة تعكس هشاشة الهوية الوطنية وتكريس الانقسام المجتمعي. فبدل أن تكون الانتخابات مناسبة لتجديد العقد الاجتماعي، تحوّلت إلى طقس سياسي يعيد إنتاج الأزمة، ويمنح الشرعية لمرشحين لا يمثلون سوى شظايا من واقع متشظٍ.

المجتمع العراقي، الذي يحمل في ذاكرته الجماعية إرثًا من التنوع الثقافي والديني، بات اليوم محاصرًا بخطابات انتخابية لا ترى فيه إلا جمهورًا طائفيًا أو عشائريًا، يُستنهض عند الحاجة ويُهمّش بعد الفوز. هذا الانقسام لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية، وتوظيف ممنهج للهويات الفرعية كأدوات للتمكين السياسي، لا كعناصر إثراء وطني.

المرشح العراقي، في كثير من الحالات، لا يُقدَّم للناس بوصفه حاملًا لمشروع إصلاحي أو رؤية تنموية، بل يُسوَّق كرمز للولاء، أو وريثًا لزعامة محلية، أو ناطقًا باسم مكوّن اجتماعي. وهنا تتبدد فكرة “القيادة”، وتتحول إلى تمثيل شكلي، لا يملك أدوات الفعل ولا جرأة المواجهة. فالمشهد الانتخابي يعجّ بوجوه مألوفة، بعضها أعيد تدويره، وبعضها الآخر صعد على أكتاف التحالفات الهشة، دون أن يحمل ما يبرر ترشحه سوى انتمائه أو قربه من مركز نفوذ.

في المقابل، يقف المواطن العراقي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يقاطع الانتخابات، فيُتّهم بالسلبية، أو أن يشارك فيها وهو يعلم أن صوته لن يُترجم إلى تغيير حقيقي. هذه المفارقة تخلق حالة من الاغتراب السياسي، حيث يشعر الفرد أن العملية الديمقراطية لا تعنيه، وأنها مجرد مسرحية تُعرض كل أربع سنوات، بأبطال متكررين وحوارات مملة.

لكن الأخطر من ذلك كله، هو أن هذه الأزمة في التمثيل لا تقتصر على النخب السياسية، بل تمتد إلى بنية المجتمع ذاته. فحين يغيب المشروع الوطني، ويُستبدل بخطابات التجييش، يصبح الانقسام جزءًا من الوعي الجمعي، ويُعاد إنتاجه في المدارس، والجامعات، وحتى في البيوت. وهنا لا يعود السؤال عن “من يمثلنا؟” بل عن “من نحن؟” في ظل هذا التفتت.

إن أزمة القيادة في العراق ليست أزمة أفراد، بل أزمة بنيوية، تتطلب مراجعة شاملة لمنظومة الترشح، وآليات الاختيار، وطبيعة الخطاب السياسي. فالمجتمع لا يحتاج إلى مرشحين يتقنون فن الخطابة، بل إلى قادة يحملون مشروعًا، ويؤمنون بأن العراق ليس مجموعة طوائف، بل وطنٌ واحدٌ متعدد، يحتاج إلى من يوحّده لا من يقتات على انقسامه.

إن إعادة الاعتبار لفكرة “التمثيل الحقيقي” تبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمرشح، بحيث لا تكون قائمة على الولاء، بل على الكفاءة والرؤية. وهذا يتطلب أيضًا إصلاحًا ثقافيًا، يعيد للمواطن ثقته بنفسه، ويحرره من عقدة الانتماء الضيق، ويدفعه للمطالبة بقيادة تعكس تطلعاته لا ماضيه.

في زمن الانقسام، يصبح الترشح مسؤولية أخلاقية، لا مجرد طموح شخصي. ويصبح التصويت فعلًا مقاومًا، لا مجرد إجراء ديمقراطي. وبين هذا وذاك، يبقى المجتمع العراقي في انتظار لحظة وعي جماعي، تُعيد تشكيل المشهد، وتكسر الحلقة المفرغة التي جعلت من الانتخابات مناسبة لتكريس الأزمة، لا لتجاوزها.