القبيلة كظلٍ للدولة: قراءة في مركزية العشيرة في المشهد العراقي

حسين شكران الأكوش العقيلي 

في العراق، لا تزال القبيلة حاضرةً ككائنٍ اجتماعي يتنفس في مفاصل الدولة، لا بوصفها موروثًا ثقافيًا فحسب، بل كفاعلٍ سياسيٍ يتقن فن التمدد في الفراغات التي تتركها مؤسسات الحكم. هذا الحضور لا يبدو طارئًا أو عابرًا، بل هو امتدادٌ لتاريخٍ طويل من التداخل بين البنية القبلية والسلطة، حيث لم تفلح الدولة الحديثة في تفكيك هذا التداخل، بل ساهمت في إعادة إنتاجه بصيغٍ أكثر تعقيدًا.

العشيرة في العراق ليست مجرد رابطة دم، بل أصبحت شبكة نفوذ، تتقاطع فيها المصالح السياسية مع الولاءات الاجتماعية. في زمن ما بعد 2003، ومع انهيار المركزية السياسية، تمددت القبائل في المشهد العام، لا كبديلٍ للدولة، بل كظلٍ لها، يرافقها في كل خطوة، ويعيد تشكيل ملامحها وفق منطق الانتماء لا وفق منطق القانون. هذا الظل لا يُرى دائمًا، لكنه يُحسّ في التعيينات، في الانتخابات، في توزيع المناصب، وفي لغة الخطاب العام التي باتت تستعير مفردات العشيرة أكثر مما تستند إلى مفاهيم المواطنة.

ما يثير التأمل أن هذا التمدد لم يكن نتيجة قوة القبيلة بقدر ما كان انعكاسًا لضعف الدولة. فحين تفقد الدولة قدرتها على إنتاج هوية وطنية جامعة، تتسلل الهويات الفرعية لتملأ الفراغ. وهنا، لا تكون القبيلة مجرد ملاذٍ اجتماعي، بل تتحول إلى مرجعية سياسية، تُستدعى في لحظات التفاوض، وتُستثمر في لحظات الصراع. لقد باتت العشيرة في العراق أشبه بمرآةٍ تعكس أزمة القيادة، وتفضح هشاشة البنية المؤسسية التي لم تستطع أن تخلق بديلاً مقنعًا.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى القبيلة بوصفها عائقًا مطلقًا، كما لا يجوز تمجيدها بوصفها حلاً سحريًا. إنها بنيةٌ مزدوجة، تحمل في طياتها عناصر التضامن والاحتماء، لكنها في الوقت ذاته قد تُستخدم كأداةٍ لإعادة إنتاج التهميش والتمييز. فحين تُستثمر العشيرة في توزيع المناصب، تُهمّش الكفاءات، وحين تُستدعى في فضّ النزاعات، يُغيب القانون، وحين تُقدّم كهويةٍ بديلة، يُمزّق النسيج الوطني.

إن مركزية العشيرة في المشهد العراقي ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي تعبيرٌ عن خللٍ بنيوي في مشروع الدولة. هذا الخلل لا يُعالج بإدانة القبيلة، بل بإعادة بناء الدولة على أسسٍ عادلة، تُنصف الجميع، وتُعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها الرابط الأسمى. فحين يشعر الفرد أن الدولة تحميه وتمنحه حقه، لن يحتاج إلى الاحتماء بالعشيرة، وحين يجد أن القانون يُنصفه، لن يطلب وساطة شيخٍ أو وجيه.

القبيلة، إذًا، ليست عدوًا للدولة، لكنها قد تتحول إلى ظلٍ خانق إذا ما غابت العدالة، وتلاشت الهوية الوطنية، وتحوّلت مؤسسات الحكم إلى ساحاتٍ لتقاسم الغنائم. وما يحتاجه العراق اليوم ليس حربًا على القبيلة، بل مشروعًا وطنيًا يُعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح كل بنيةٍ اجتماعية مكانها الطبيعي دون أن تطغى أو تُقصى.

هكذا فقط، يمكن أن يتحرر العراق من ظلال العشيرة، لا بإلغائها، بل بإعادة تعريف دورها، في ضوء دولةٍ عادلة، وهويةٍ جامعة، وقيادةٍ لا تستمد شرعيتها من رابطة الدم، بل من عمق الرؤية ونزاهة الفعل.