تحرير العقل الفقهي نحو تجاوز الانحياز المذهبي في دراسة الفقه المقارن

حسين شكران الأكوش العقيلي

في عالمٍ تتشابك فيه المذاهب وتتنازع فيه التأويلات، يواجه الباحث في الفقه المقارن تحديًا مزدوجًا: أن يكون أمينًا للعلم، دون أن يكون أسيرًا لانتمائه. فالانحياز المذهبي ليس مجرد ميل فكري، بل هو عائقٌ منهجي يُشوّه الرؤية، ويُضعف القدرة على الإنصاف، ويحوّل الدراسة من بحثٍ إلى دفاع، ومن تحليلٍ إلى تبرير.

إن الفقه المقارن، حين يُمارَس بصدق، لا يطلب من الباحث أن يتخلى عن هويته، بل أن يسمو بها إلى مستوى الإنصاف. فالموضوعية لا تعني الحياد البارد، بل تعني أن يكون الباحث قادرًا على رؤية الآخر كما يرى نفسه، وأن يُنصت للاجتهادات المختلفة دون أن يُسارع إلى تصنيفها أو إقصائها.

وإن تجاوز الانحياز المذهبي يبدأ من تحرير أدوات النظر. فالباحث الذي يدخل إلى النصوص وهو محمّل بأحكام مسبقة، لن يرى إلا ما يؤكد قناعاته. أما من يدخل بعقلٍ متأمل، فإنه يكتشف أن الخلافات الفقهية ليست دائمًا صراعًا بين حق وباطل، بل هي غالبًا تنوّعٌ في الفهم، واختلافٌ في الزوايا، وتفاعلٌ مع سياقاتٍ متباينة.

إن إعادة الاعتبار للفقه المقارن كمنهجٍ إصلاحي، يتطلب من الباحث أن يُعيد ترتيب أولوياته؛ وأن يُقدّم المقاصد على الجزئيات، والعدالة على التعصب، والإنصاف على الولاء. فالمذاهب الفقهية ليست جزرًا معزولة، بل هي روافد تصبّ في نهرٍ واحد، هو نهر الفهم الإسلامي المتجدد.

حين يتحرر العقل الفقهي من الانحياز، يصبح قادرًا على بناء خطابٍ يتجاوز الطائفية، ويخاطب الإنسان المسلم ككائنٍ حرّ، لا كمجرد تابعٍ لمذهب أو طائفة. ويصبح الفقه المقارن أداةً لفهم الواقع، لا لتكريس الانقسام؛ ومنهجًا للتجديد، لا لتكرار الموروث؛ وجسرًا للحوار، لا ساحةً للخصومة.

إنها دعوة لكل باحثٍ أن يُراجع نفسه قبل أن يُراجع النصوص، وأن يُنقّي أدواته قبل أن يُحلّل الأقوال، وأن يُعيد الاعتبار للعلم كرسالةٍ للإنصاف، لا كوسيلةٍ للانتصار. فالعقل الفقهي، حين يتحرر، لا يُنكر المذاهب، بل يُنصفها؛ ولا يُذيب الاختلاف، بل يُهذّبه؛ ولا يُلغي التعدد، بل يُحسن قراءته.

وهكذا، يصبح الفقه المقارن ليس مجرد علمٍ يُدرّس، بل موقفٌ يُتّخذ، ورسالةٌ تُكتب، وضميرٌ يُستنهض.