فروقات في كلمتين متشابهتي المعنى (ح 2) (الاثم والعدوان)‎

فاضل حسن شريف

قال الله تعالى عن الاثم والعدوان معا “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ” (المائدة 2)، “وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ﴿المائدة 62﴾، “ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” ﴿البقرة 85﴾، “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ” ﴿المجادلة 8﴾، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” ﴿المجادلة 9﴾.

جاء في کتاب معجم الفروق اللغوية بترتيب وزيادة للمؤلف أبو هلال العسكري: هنالك كلمات متشابهة المعنى مثل: الانجاء والتنجية، الإنزال والتنزيل، الأنظار والتأخير، البأس والخوف، الباقي والقديم، النجس والنقصان، البر والصلة، البزوغ والطلوع والشروق، البشارة والخبر، البشر والناس، الاذن والاجازة، الارادة والمشيئة، الارشاد والهداية، الاساءة والنقمة، الاستطاعة والقدرة، الاستماع والسماع، الاسم والتسمية، الاتقان والاحكام، البعث والنشور، الاثم والعدوان. الفرق بين الإثم والعدوان: الآثم: الجرم كائنا ما كان. والعدوان: الظلم. قاله الطبرسي رضي الله عنه، وعلى هذا فقوله تعالى ” يسارعون في الإثم والعدوان ” (المائدة 62). من عطف الخاص على العام.

عن تفسير الميسر: قوله عزت قدرته “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) أي: لا يحملنَّكم بغضُ قوم قد كانوا صدُّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم، فتقتصُّوا منهم ظُلمًا وعُدوانًا، بقصد الانتقام والتشفِّي. وجاء في موقع الألوكة الشرعية عن العدوان في ضوء الكتاب والسنة للدكتور طه فارس: الظُّلم: ومن ذلك قوله تعالى: “ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (البقرة 85) “تَظَاهَرُونَ” (البقرة 85) أي: تتعاونون وتتناصرون، ويقوّي بعضكم بعضاً، في ارتكاب المعاصي، والإفراط في الظلم وتجاوز الحد فيه. ومنه قوله تعالى: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2) أي: لا يحملنَّكم بغضُ قوم قد كانوا صدُّوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم، فتقتصُّوا منهم ظُلمًا وعُدوانًا، بقصد الانتقام والتشفِّي. ومنه قوله تعالى: “وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ” (المائدة 62) أي: ترى كثيراً من اليهود يسابقون ويبادرون في اقترافهم للمعاصي والآثام، وفي ظلمهم للناس واعتدائهم عليهم، وأكلهم أموالهم بالباطل. ثالثاً: الصَّدُّ عن الإيمان: ومن ذلك قوله تعالى: “مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ” (ق 25) أي: كثير الصدِّ للناس عن الإيمان من أن يدخل في قلوبهم، ظالم يعتدي على المسلمين بالأذى، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والقول الباطل، صاحب ريب وشكوك، يلقيها على الناس مغالطة، ليوقع في نفوسهم الشك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة الإيمان والتوحيد. ومثله في المعنى قوله تعالى: “مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ” (القلم 12).  العدوان على المؤمنين: ومن ذلك قوله تعالى: “وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ” (المجادلة 8) أي: إن اليهود كانوا يتحدثون فيما بينهم بما هو إثم، وهو مختصٌّ بهم، وعداون للمؤمنين، وهو ما يتعلَّق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يُصِرُّون عليها ويتواصَون بها، فنهى الله المؤمنين أن يفعلوا فعلهم، فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ” (المجادلة 9).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عزت قدرته “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” وهو استئناف كلام، وليس بعطف على “تَعْتَدُوا” فيكون في موضع نصب. أمر الله عباده بأن يعين بعضهم بعضا على البر والتقوى، وهو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضا على الإثم، وهو ترك ما أمرهم به، وارتكاب ما نهاهم عنه، من العدوان، وهو مجاوزة ما حد الله لعباده في دينهم، وفرض لهم في أنفسهم، عن ابن عباس، وأبي العالية، وغيرهما من المفسرين. “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”: هذا أمر منه تعالى بالتقوى، ووعيد، وتهديد لمن تعدى حدوده، وتجاوز أمره يقول: احذروا معصية الله فيما أمركم به، ونهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا عذابه. ثم وصف تعالى عقابه بالشدة. لأنه نار لا يطفأ حرها، ولا يخمد جمرها، نعوذ بالله منها.
جاء في كتاب التفسير لمصطفى العدوي: الفرق بين الإثم والعدوان: قال سبحانه: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المجادلة 8)، الإثم: هو الذنب الذي يقترفه الشخص في حق نفسه، والعدوان: هو الذنب الذي يقترفه الشخص في حق الآخرين، وهو من باب التعدي. ومنه قول الله سبحانه وتعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2). ولكن كما سمعتم آنفاً: أن اصطلاح الإثم قد يتسع ويحمل المعنيين: فيحمل معنى الذنوب التي يقترفها الشخص في حق نفسه، ويحمل معنى التعدي على الآخرين، ومنه قوله تعالى: “الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ” (النجم 32)، فكبائر الإثم تدخل فيها الجرائم التي فيها تعدٍ إلى الآخرين، من سطو ونصب وغش ونحو ذلك. وقوله: “وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ” (المجادلة 8)، أي: يتواصون فيما بينهم بمعصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتواصون فيما بينهم بالتشويش على القرآن كما قال سبحانه: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ” (فصلت 26)، أي: شوشوا عليه حتى لا يستمع إليه.

جاء في موقع اسلام ويب عن الفرق بين الذنب والإثم والعدوان: الذنب والإثم ليس بينهما اختلاف في المعنى، فكلاهما مخالفة لأمر الله تعالى أو ارتكاب لنهيه يوجب لصاحبه استحقاق العقوبة، والذنب قد يرد مقرونا بالسيئة فيراد به الكبيرة حينئذ، وقد يرد منفردا فيراد به مطلق المعصية. وكذلك الإثم يأتي مقرونا بالعدوان فيراد به ما كان محرما لجنسه، و بالعدوان ما كان محرما لقدره، ويأتي غير مقرون فيشمل العدوان ويراد به مطلق المعصية، قال ابن القيم: والإثم والعدوان في جانب النهي نظير البر والتقوى في جانب الأمر، والفرق بين الإثم والعدوان كالفرق ما بين محرم الجنس ومحرم القدر، فالإثم ما كان حراماً لجنسه، والعدوان ما حرم لزيادة في قدر وتعدي ما أباح الله منه، فالزنا والخمر والسرقة ونحوها إثم، ونكاح الخامسة واستيفاء المجني عليه أكثر من حقه ونحوه عدوان.

وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن تعاونوا “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) “وتعاونوا على البرِّ” بفعل ما أمرتم به، “والتقوى” بترك ما نهيتم عنه، “ولا تعاونوا” فيه حذف إحدى التاءين في الأصل “على الإثم” المعاصي “والعدوان” التعدي في حدود الله، “واتقوا الله” خافوا عقابه بأن تطيعوه، “إن الله شديد العقاب” لمن خالفه.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز من قائل “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2) قوله تعالى: “وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ” المعنى واضح، وهذا أساس السنة الإسلامية، وقد فسر الله سبحانه البر في كلامه بالإيمان والإحسان في العبادات والمعاملات، كما مر في قوله تعالى: “وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ” (البقرة 177) وقد تقدم الكلام فيه. والتقوى مراقبة أمر الله ونهيه، فيعود معنى التعاون على البر والتقوى إلى الاجتماع على الإيمان والعمل الصالح على أساس تقوى الله، وهو الصلاح والتقوى الاجتماعيان، ويقابله التعاون على الإثم الذي هو العمل السيئ المستتبع للتأخر في أمور الحياة السعيدة، وعلى العدوان وهو التعدي على حقوق الناس الحقة بسلب الأمن من نفوسهم أو أعراضهم أو أموالهم وقد مر شطر من الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا” (آل عمران 200) في الجزء الرابع من هذا الكتاب. ثم أكد سبحانه نهيه عن الاجتماع على الإثم والعدوان بقوله: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ” وهو في الحقيقة تأكيد على تأكيد.

وعن التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي: قوله تعالى “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ” (المائدة 2) والمراد بشعائر الله هنا: حدوده التي حدها، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التي أوجبها على عباده. والمراد بشعائر الله هنا: حدوده التي حدها، وفرائضه التي فرضها وأحكامه التي أوجبها على عباده. ويرى بعضهم أن المراد بشعائر الله هنا: مناسك الحج وما حرمه فيه من لبس للثياب في أثناء الإحرام. ومن غير ذلك من الأفعال التي نهى الله عن فعلها في ذلك الوقت فيكون المعنى. والقول الأول أولى لشموله جميع التكاليف التي كلف الله بها عباده.

رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حياته: (من رأى سلطاناً جائراً مستحلًّا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله). قال الإمام الصادق في وصيته لأصحابه: (إياكم أن تذلقوا ألسنتكم بقول الزور والبهتان، والإثم والعدوان، فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه، كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به، فإن ذلق اللسان فيما يكره الله وما نهى عنه مرداة للعبد عند الله، ومقت من الله، وصمم وعمى وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة، فتصيروا كما قال الله: “صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ” (البقرة 18) يعني لاينطقون “وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ” (المرسلات 36)). وعن الإمام الحسين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله (من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقا على الله أن يدخله مدخله وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله).

جاء في كتاب مصباح الفقاهة للسيد ابو القاسم الخوئي قدس سره: أقول: استدلوا على حرمة الاعانة على الاثم بوجوه: قوله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2)، فان ظاهرها حرمة المعاونة على الاثم والعدوان مطلقا. وفيه: ان التعاون عبارة عن اجتماع عدة من الاشخاص لايجاد امر من الخير أو الشر ليكون صادرا من جميعهم، كنهب الأموال وقتل النفوس، وبناء المساجد والقناطر، وهذا بخلاف الاعانة، فانها من الافعال وهي عبارة عن تهيئة مقدمات فعل الغير مع استقلال ذلك الغير في فعله. وعليه فالنهي عن المعاونة على الإثم لا يستلزم النهي عن الاعانة على الاثم، فلو عصى أحد فاعانه الاخر فانه لا يصدق عليه التعاون بوجه، فان باب التفاعل يقتضي صدور المادة من كلا الشخصين، ومن الظاهر عدم تحقق ذلك في محل الكلام. نعم قد عرفت فيما سبق حرمة التسبيب الى الحرام وجعل الداعي إليه، لكن حرمة ذلك لا تستلزم الحرمة في المقام. 

جاء في معاني القرآن الكريم عن الفرق بين الاثم والعدوان: في دراسة تذوّق النّصوص البيانية علّمونا أنّ فعل الأمر يدلّ على طلب القيام بهذا الفعل، لغايات ومقاصد يريدها صاحب الأمر والطلب على شكلين: إمّا بالقيام بفعل ما، أو نهي عنه.  تعالوا معي نتأمٌل هذه اللمعات البيانية في هذه الآية القرآنية، وهي الآية الثانية من سورة المائدة: “وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَانِ” (المائدة 2) هذه الآية تتألف من أربعة مشاهد واضحة: سنقتصر الحديث على أول مشهدين الأمر، والنهي. “وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” قِيلَ: الْإِثْمُ: الْكُفْرُ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ.. والنهي عن التعاون على كل ما فيه إثمٌ وعُدْوان.  العُدْوان، هو ما فيه تعدٍّ: الإعانة على الشرك بالله تعالى، وغير ذلك من الأمور السلبية. يدخل في ذلك كلُّ عدوانٍ على حقوق الله، أو حقوق العباد. تدل الآية على أنّ التعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان يقي العبدَ من عقاب الله الشديد؛ لذلك ختم الله سبحانه هذه الآية بقوله: “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”. “وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ” الفرق بينهما: أن الإثم كلُّ ذنب بين العبد وبين الله، أو بينه وبين الناس، والعدوان على الناس.

جاء في الموسوعة الحرة عن حقوق الإنسان في القرآن: أن القرآن يحظر بشكل قاطع على أتباعه المساعدة في البغي أو القيام بعمل عدواني بقوله في الآية الثانية من سورة المائدة: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (المائدة 2). وعلاوة على ذلك، فإن القرآن يعلم أتباعه أن معاملة أتباع الديانات الأخرى بالعدل واللطف هو باب من أبواب الإيمان. ذم العدوان: في القرآن الكريم: وردت العديد من الآيات في القرآن تذم العدوان وتحذر منه: سورة المجادلة الآية 9: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ” (المجادلة 9) سورة المائدة الآية 62: “وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (المائدة 62)، قال ابن كثير في تفسيره للآية: (أي: يبادرون إلى ذلك مِن تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على النَّاس، وأكلهم أموالهم بالباطل، لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتدائهم). سورة المائدة الآية 2: “وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2). يقول الطَّبري: (وَالْعُدْوَانِ يقول: ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم). سورة المائدة الآية 87: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (المائدة 87).

جاء في موسوعة النابلسي: قاعدة: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا: أن كلاً منهما الإثم والعدوان إذا أفرد فهذا موضوع لطيف له ما يشبهه في كتاب الله، مثلاً: الفقراء والمساكين، إذا قلت: الفقراء فيعني الفقراء والمساكين، وإذا قلت: المساكين فيعني الفقراء والمساكين، أما إذا قلت: الفقراء والمساكين الآن الفقير الذي لا يجد حاجته، دخله أقلّ من حاجته، لكنه ساكن في بيت، ويرتدي ثياباً، أما المسكين فهو العاجز عن أن يكسب المال، معه عاهة، فإذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا، والإثم والعدوان إذا اجتمعا تفرقا، الإثم يغلب عليه المعصية التي فيها لذة، والعدوان يغلب عليه الفعل الذي فيه تجاوز، أما إذا قلت: الإثم فيشمل العدوان، وإذا قلت: العدوان فيشمل الإثم . قال القرطبي: “العدوان تجاوز الحد، والظلم وضع الشيء في غير موضعه”.