التزوير ..يستدعي التغيير..

ضياء المهندس

يا حرام .. أي مصداقية بقيت للدولة والنظام ؟

في وقتٍ كانت الأنظار تتجه نحو الانتخابات المقبلة، انفجرت قنبلة سياسية داخل “الإطار التنسيقي” نفسه، حين بدأت أطراف منه تلوّح بإجراءات “اجتثاث البعث” ضد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. ليست هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها ملف البعث كسلاح سياسي، لكنها من المرات النادرة التي يُشهر فيها هذا السلاح بوجه شخصية وصلت إلى رأس السلطة بدعم من ذات القوى التي تلوّح اليوم بإسقاطها.

لكن ما يزيد الطين بلة، ويتجاوز حدود الخلاف السياسي، هو ما يقال همسًا – وأحيانًا جهرًا – عن تزوير في أوراق والد السوداني، الذي يُقال إنه أُعدم من قبل نظام صدام حسين لانتمائه إلى حزب الدعوة. اليوم، يخرج خصومه ليقولوا: لا توجد أي أوليات رسمية تثبت ذلك.

أين هي أوراق “الشهيد”؟

تشير المعلومات المتداولة إلى أن الجهات المختصة – ومنها وزارة المالية (قسم مصادر الأموال)، الأدلة الجنائية، وحتّى مستشفى أبو غريب – لا تمتلك أي وثائق رسمية تؤكد إعدام والد محمد شياع السوداني.

لا بصمات، لا أوراق وفاة، ولا حتى كتاب رسمي من دائرة تنفيذ الأحكام، وهي الجهات التي تُعتمد منها شهادة “الشهيد” بحسب قوانين مؤسسة الشهداء. ومع ذلك، تمكّن الرجل من الحصول على صفة “ابن شهيد”، وهي صفة فتحت له أبواب التعيين والامتيازات والمناصب بعد 2003.

فالسؤال المحوري هنا ليس فقط: هل السوداني بعثي أم لا؟ بل: كيف مرّت هذه الورقة عبر كل تلك المؤسسات؟ ومن يتحمل مسؤولية تمرير هذا التزوير – إن ثبت – في واحدة من أخطر وأهم مؤسسات العدالة الانتقالية في العراق؟

النتيجة: منظومة فاشلة محترقة  أم مُخترَقة؟

ما يحدث يعيدنا إلى أصل الداء: التزوير الممنهج في مؤسسات الدولة، لاسيما تلك المرتبطة بالملفات الحساسة مثل اجتثاث البعث، ومؤسسة الشهداء، وهيئة النزاهة، والهيئات الرقابية. فإذا كانت هناك أوراق مزوّرة تُمنح لأشخاص بهدف تسهيل صعودهم السياسي، فكم من المسؤولين الحاليين تسللوا إلى الدولة بذات الطريقة؟

كم من “شهيد” ليس شهيدًا؟ وكم من “ضحية” كان جلادًا؟ وكم من بعثي سابق اليوم يُشرّع قوانين في مجلس النواب؟

الإطار التنسيقي.. أزمة داخل أزمة

المفارقة الكبرى أن هذه الاتهامات لا تأتي من المعارضة أو من خصوم خارجيين، بل من داخل البيت الشيعي نفسه، من أطراف في الإطار التنسيقي كانت حتى وقت قريب تُدافع عن السوداني وتراه ممثلاً ناجحًا لها في الحكومة.

فهل كانت هذه الأطراف تجهل تلك التفاصيل؟ أم أنها كانت تعرف وتغض النظر حتى “تجي وقتها”؟ ولماذا يُعاد فتح هذا الملف الآن تحديدًا، مع اقتراب موعد الانتخابات؟ هل هو تصفية حسابات؟ أم انقلاب داخل الإطار على خياراته السابقة؟

مؤسسة الشهداء.. هيئة بحاجة إلى مراجعة

منذ عام 2003، تشكّلت “مؤسسة الشهداء” بهدف إنصاف ضحايا النظام السابق، لكنها اليوم تجد نفسها متّهمة – ولو ضمنًا – بأنها باتت ممرًا لتزوير تاريخ البعض وتسهيل صعودهم السياسي. فإذا كانت هناك حالة موثقة أو شبه موثقة مثل هذه، فمن يضمن أن هناك عشرات أو مئات الحالات الأخرى التي مرّت بصمت؟

أين دور هيئة النزاهة؟ أين الأجهزة الرقابية؟ ولماذا لا يُفتح تحقيق رسمي في هذه الوثائق؟ ألا يستحق الشعب العراقي الشفافية، خصوصًا عندما يكون الحديث عن أعلى منصب تنفيذي في الدولة؟

خلاصة القول: من يحاسب من؟

إذا كان السوداني فعلاً قد دخل العملية السياسية بوثائق مزورة، فهذه فضيحة لمؤسسات الدولة قبل أن تكون فضيحة له. وإذا لم يكن كذلك، فالحملة ضده تُعدّ ابتزازًا سياسيًا رخيصًا، وتشويشًا على الشارع قبل الانتخابات. وفي الحالتين، نحن أمام مشكلة خطيرة:

مشكلة دولة تعيش على وثائق بلا تدقيق، ومؤسسات بلا مصداقية، وطبقة سياسية مستعدة لابتلاع كل المتناقضات من أجل البقاء.

فمن يحاسب من؟

هل يُحاسب المسؤول عن التزوير؟ أم يُكافأ بصمت المؤسسات؟ وهل يتم تطهير الدولة فعليًا من البعثيين، أم فقط اجتثاث من يخرج عن الخط أو يهدد المصالح؟

إن كان السوداني قد وصل بالوثائق المزورة، فالعار لا يقع عليه وحده. بل على من سمح له، وغضّ الطرف، ووقّع، وصادق، وصفّق، وسوّق.

وما أكثرهم.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي