حسن العكيلي
عندما اطبق الفقر بقبضتيه على رقاب عائلته وراح يعيق سير الهواء في مجاري التنفس .ومزق خنجر الارهاب دمى الاطفال وحول اجزائها الى اوصال. وزرع في قلوب الفراشات الرعب والقلق فلا امان في السماء ولا راحة فوق حشائش الارض..
ذات يوم مختلف تماما عن بقية الايام- اجتمع رؤوف بعائلته وطلب منهم ان يجهزوا انفسهم في رحلة اشبه برحلة نحو المجهول فلا احد منهم يعرف اين ستتجه بوصلة الاتجاهات شمالا شرقا غربا او جنوبا ولا احد منهم يعرف هل ستكون الرحلة برا او بحرا او جوا وبعد الحاحات اطفاله الكثيرة ابلغهم ان الرحلة ستكون عبر البحر وصوب اليونان
قبل غلق ابواب دارهم بيومين . وفي ليلة مظلمة تبكي وجود القمر صعد رؤوف سطح داره واستلقى على حصيرة ممزقة رتقت بالقماش العتيق بيدي زوجته وغيرت الوانها شمس الحصارات واستبدلت طراوتها لسع سياط العوز واللاشئ – بينما راحت عيناه تتوغل في عمق اعماق السماء اللامتناهي وتطوف كقمر اصطناعي في مداراتها الخالية من الضوء والسطوع . الا من لمع نجوم خافتة مهددة بالاندثار.لا تلبث ان تكون لقمة سائغة في بطن الثقوب السوداء النهمة التي لاتعرف الشبع
رفع يديه ودعى ربه وبقلب صادق موقن بالاجابة ليساعده ويقضي حاجته في تحقيق امنياته في اي ايجاد مكان عش يأويه تنتشي فيه روحه وتلبس فيه ايامه ثوب الهدوء والاستقرار فراح يقيس المسافات وينتقي الامكنة المظللة بالراحة . ويعد المحطات المزركشة بالوان الامل حتى انتهى به المطاف خارج حدود النجم القطبي ليجذبه الى اعماقه ذرة رمل خافتة اللون مستسلمة خاضعة ومنقادة للامر الواقع- وبعد ان باع كل مالديه من اشياء تباع حزم امره واتخذ قراره النهائي بالرحيل فمثل هكذا قرار مصيري يتطلب ان لايترك سؤالا الا ووضع له الاجابة. وثغرة الا ووجد لها الحل الناجع كي لايترك مجال للشك وللخطأ والظنون
كانت الرحلة شاقة ومكلفة من بغداد الى شواطئ بحر ايجه فقد استنزفت نصف المبلغ الذي يحمله في جيبه فحالما وصل الى هناك عرفه احد العاملين في شبكات تهريب البشر . بانه عراقي وانه يريد عبور البحر حيث الاراضي الاوروبية – سلم عليه بلغة عربية غير واضحة واتفق معه على تهريبه الى الساحل اليوناني شريطة ان يمتلأ الزورق بالمهاجرين وان تكون الرحلة ليلا –
بعد انتظار طويل جلسنا جميعا فوق عدد من الكراسي المطلة على البحر
بعيون مجهدة وخزتها الرحلة الشاقة بدبابيس الارق ورشت رذاذ الملح بين ماقيها الحمراء المتورمة – افزعنا صوت قائد الزورق الاجش وكانه صوت قاتل يخلو وجهه من الرحمة وهو يطلب منا الصعود على عجل
فراح المهاجرون يملأون الزورق وكأننا اصبحنا اكياس طحين رصفت بعضها على بعض بينما راح الزورق يتمايل ذات اليمين وذات الشمال ناديت على قائد الزورق بأعلى صوتي من ان الرحلة مهددة بالغرق اذا انطلق الزورق وهو بهذه الحالة المزرية .
لكن صياح المهاجرين بفرحة بدء الرحلة صوب شمس الحرية- امتزجت مع اصوات الخائفين من الغوص في لجة البحر ليلا. حيث الظلام الدامس والموج الذي لبس ثوب الحداد – وارتدى قميص الخطر الصاعق- فتحولت الاصوات الى مزيج من سمفونيات مختلفة الفرح بالحزن والخوف بالامان فتحولت الى سمفونية جديدة نجهل كنهها تحمل مواكب ومراسيم جنائزية لونت اطرافها ترانيم تبعث الفرح في نفوس البعض ..
انطلق الزورق كالمكره وراح يسحب بنفسه كحمار كسيح وضعوا على ظهره المزيد من الاثقال. كانت جميع العيون تتطلع الى رؤية اضوية الساحل الاخر .ولكن الظلام الدامس الذي احاط بنا من كل الاتجاهات اصابه الجنون فجأة.. فأزبد وارعد فاشعل السماء بضوء البرق والرعد الذي يشبه صوت القنابل المختلفة الاحجام- والتي تعودنا على سماعها طيلة السنين الماضية – لم ينفذ الخوف الى ابداننا ابدا ولكن موج البحر الذي راح يغضب من دون سبب- يهبط على سطح البحر كأفعوان قرر تحطيم كل من دنس مملكته واعتلى صهوة دياره – فراح الزورق يعلو وينخفض -ويتطاير من داخله المهاجرين صوب مياه البحر كقطع اسفنجية صغيرة -تعالت الاصوات صراخا وعويلا – وتمسك من تبقى في الزورق الذي مزقه الموج العارم بعضهم ببعض..
دخل الماء الى الزورق وراح يرتفع بسرعة كبيرة حاولنا ان نتشبت بأية
شي يستطيع حملنا الى اليابسة ولكن اختفى كل شي الا الماء المالح واصوات الغرقى
حاولت ان اتمسك بواحد من اطفالي الذي ظل يبكي طيلة الرحلة اللعينة
لكن الريح العاصفة سرقته من بين يدي ليطير كورقة سحبتها الريح من مكانها ودفعتها بقسوة الى الاعلى – ليقع في عرض اليم حجرا صغيرا ابتلعه الموج المتعطش للايذاء
لقد فقدت زوجتي وولدي – فلم استطع انقاذ احد منهم بعد ان سحبهم البحر الى اعماقه وبعد ان تاكد من موتهم لفظهم وبكل وقاحة فوق سطحه المصاب بالشلل . كأي قطعة خشبية متهالكة
في صباح اليوم التالي وبعد شروق الشمس بساعة وصلت الى مكان الحادث عدد من زوارق الانقاذ اليوناني..لقد كنا اربعة احياء فقط اما الباقون فقد كانوا في عداد الاموات ولم يعثروا على اي جثة من جثث الغرقى
لقد اختفت عائلتي فجاة في جوف البحر- وتبخرت امالي بلمح البصر وضاعت احلامي الموؤدة الى الابد – فلا صوت يسمع منهم بعد ولا خبر يأتي ولا طيف يمر..