صباح البغدادي
مبادرة إنسانية بحرية دولية انطلقت في تموز 2025، وتتشكل من 4 كيانات رئيسية هي :”الحركة العالمية نحو غزة” و”تحالف أسطول الحرية” و “أسطول الصمود المغاربي” ومبادرة “صمود نوسانتارا” الشرق آسيوية، بهدف كسر الحصار الإسرائيلي الخانق غير القانوني المفروض على معسكر اعتقال قطاع غزة. ويتألف الأسطول من عشرات السفن الصغيرة التي تحمل نشطاء ومساعدات إنسانية، ويمثل جهدا شعبيا عالميا تقوده التحالفات الأربعة بهدف فتح ممر إنساني بحري وفضح جرائم الحرب المرتكبة ودعم صمود الفلسطينيين في مواجهة القتل والتجويع والإبادة الجماعية. وفي بيان صحفي نشر من خلال الموقع الرسمي العائد الى “المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل / عدالة ” بأنه بحسب المعلومات التي وصلت إلى طاقم محامي الدفاع، فقد باشرت سلطات الهجرة الاسرائيلية بإجراءات الاستماع تمهيدا لإصدار أوامر ترحيل أو اعتقال بحق الناشطين، دون حضور محاميهم، ودون تمكينهم من الحصول على الاستشارة القانونية اللازمة. وأكد مركز”العدالة” أن هذه الإجراءات تشكّل خرقا صارخا للقانون الدولي، ومخالفة حتى للقانون الإسرائيلي، وانتهاكا مباشرا لحق أساسي من حقوق الإجراءات القانونية العادلة.وطالب المركز السلطات الإسرائيلية بالتوقف الفوري عن هذه الممارسات غير القانونية، وتمكين طاقم الدفاع من لقاء المعتقلين والمعتقلات بشكل عاجل” ولغاية هذه اللحظة يتعرض النشطاء الى عمليات ترهيب وتعسف وحتى اجراءات غير قانونية بالاعتقال والسجن على الرغم من أنهم قد ألقي القبض عليهم بالمياه الدولية ؟.في أعماق البحر المتوسط، حيث تتقاطع الأمواج بين أحلام الإنقاذ وكوابيس الحصار، يبحر “أسطول الصمود العالمي” كشاهد حي على أكبر تحرك بحري دولي لدعم قطاع غزة المحاصر. هذا الأسطول، الذي يضم أكثر من 40 سفينة مدنية تحمل نحو 500 ناشط وبرلماني ومحامٍ من أكثر من 40 دولة، ليس مجرد قافلة مساعدات أنسانية , بل إنها صرخة إنسانية تحمل الدواء، والغذاء، وحليب الأطفال، وكل ما يمكن أن يقاوم آلة الجوع والموت التي ألقت بسوداوية ظلالها على ما يقارب من 2.3 مليون فلسطيني. ويشارك فيه نجوم عالميون مثل “غريتا ثونبرغ”، التي انضمت إلى المهمة لتؤكد أن “الأمل والتضامن” هما الرسالة الوحيدة، وفق تصريحاتها الأخيرة من على متن إحدى السفن قبالة جزيرة كريت اليونانية. لكن هذه الرسالة الإنسانية البحتة، التي أطلقت في ايلول 2025 كجزء من تحالف “الألف مدلين” و”ائتلاف أسطول الحرية”، تواجه اليوم مصيرًا مريرًا: اعتراض إسرائيلي مسلح وعنيف وخارج الشرعية في المياه الدولية، اعتقالات جماعية، ومصادرة للشحنات الإنسانية. ومع ذلك، يبدو أن العالم – خاصة حكومات الغرب الديمقراطية – ينظر إلى هذا الفعل بكف واحدة، وعين عوراء تمامًا عن الظلم الواضح والصريح ، ولكن ؟ وبينما يغرق في بحر من الإدانات لو كان السياق مختلفًا قليلاً. ودعونا في هذا السياق ونحن نتابع عن كثب مجريات الأحداث من على شاشات التلفزة الإخبارية العربية أن نستعيد اللحظات الأخيرة لهذا الأسطول قبل أن يبتلعه الصمت الغربي الإعلامي ــ النزيه والمحايد جدآ والشفاف ــ في 27 ايلول 2025، انطلقت 10 سفن من ميناء سان جيوفاني لي كوتي في كاتانيا الإيطالية، محملة بأطنان من المساعدات الطبية والغذائية، في تحدٍ مباشر للحصار الإسرائيلي الذي بدا منذ عام 2007 ويُعتبر، وفق خبراء الأمم المتحدة، “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والمبادئ الإنسانية”. كانت السفن تتقدم ببطء، مصحوبة بطائرات بدون طيار تركية تحوم فوقها لأيام، وتحذيرات من إيطاليا وإسبانيا واليونان لضمان سلامة الركاب، بل وحتى اقتراحات لتسليم المساعدات عبر قبرص لتجنب التصعيد. ولكن في 1 أكتوبر 2025، تحول البحر المتوسط إلى ساحة معركة حامية الوطيس : أعلن منظمو الأسطول أن البحرية الإسرائيلية اعترضت السفن “ألما” و”سيريوس”، اعتقلت ثونبرغ وآخرين، وصادرت الشحنات، معتبرة المهمة “دعمًا للحماس”. هذا ليس الاعتداء الأول؛ منذ 2010، اعترضت إسرائيل كل أسطول مشابه في المياه الدولية، بما في ذلك هجوم حزيران 2025 على سفينة “مدلين”، الذي أثار حريقًا وثقوبًا في الهيكل. اليوم، يُحتجز الناشطون في ميناء أشدود ، وصمت القبور للحكومات الغربية (الديمقراطية) التي تصدع رؤوسنا كل يوم بمناسبة وبدون مناسبة حول حقوق الانسان مثل أمريكا وبريطانيا وألمانيا وحتى فرنسا وغيرها .هذا الصمت ليس عفويًا؛ إنه كيل بمكيالين، نظرة بعين واحدة عوراء عن الجفاف الشديد التي تصيبهم بالدموع الفلسطينية ؟ ولكن … بينما تُفتح خزانات السدود للدموع الأوكرانية. تخيل معي أيها القارئ لو كان هذا الأسطول يبحر نحو مدينة أوكرانية محاصرة، مثل “ماريوبول” أو “أفدييفكا” أو حتى أوديسا” ، ليحمل الدواء والحليب إلى أطفال يتضورون جوعًا وتحت حصار خانق وقصف روسي متواصل . أو حتى لو اعترض الجيش الروسي هذه السفن في البحر الأسود، واعتقل النشطاء، وصادر المساعدات الانسانية ، مدعيًا بانها “دعمًا للإرهابيين الأوكرانيين”؟ هل سيكون الرد الحكومات الغربية وتلوذ بالصمت المريب؟ بالطبع لا والف لا وترليون لا … لا … لا ! وفي سياقنا لهذا السيناريو الافتراضي – الذي يعكس تمامًا واقع معسكر اعتقال قطاع غزة – سينفجر معها جميع وسائل الإعلام الغربي والعالمي ــ المحايد والنزيه ـــ بغضب جماعي شرس جدآ . وسوف تتصدر المواقع الاعلامية الاخبارية والصفحات الأولى لعناوين الصحف العالمية والامريكية مثل : “فوكس نيوز” ونيوز ماكس” و ” إيبوك تايمز ” و “إم إس إن بي سي” وشبكة “سي بي إس” و”نيويورك تايمز” والغارديان ” ستُصرخ وعويل وباعلى صوتها : ” انها قرصنة روسية وحشية في المياه الدولية / انها هجوم بربري على الإنسانية والشرعية الدولية !”، مع تغطية مباشرة حية لكل دقيقة بل قل لكل ثانية ، والرؤساء الدول والحكومات – من ترامب إلى ماكرون – سيعقدون مؤتمرات صحفية عاجلة ويتفرغون لها وحتى سوف يقومون بتاجيل اعمالهم العائلية والوظيفية ويمكن تصل الى درجة تأجيل حتى العلاقات الحميمية شبه اليومية !؟ ، يدينون بشدة هذه ” الوحشية الروسية “، ويعلنون عقوبات إضافية تجمد أصولًا روسية بمليارات الدولارات، كما حدث بعد استخدام أصول روسية المجمدة لدعم أوكرانيا في عام 2025. ومجلس الأمن الدولي سيُدْعَى إلى جلسة طارئة، حيث تُصوَّر روسيا كـ”العدواني الوحشي”، ويُطْلَبْ إدانة فورية، بينما يُتَجَاهَلُ أيْ طْلَبْ مُمَاثِلْ لقطاع لغَزَةْ ؟ ولا يتوقف الأمر عند الخطابات ؛ بل سترى الشوارع الأوروبية تغلي بتظاهرات هائلة لليمين المتطرف أمام جميع السفارات الروسية ، ليست بقيادة ناشطين عاديين فحسب، بل حتى ستشمل من بينهم وزراء وبرلمانيين يتقدمون الصفوف، يرفعون لافتات ” أوقفوا الحصار الوحشي عن الأطفال الأوكرانيين !” و ” روسيا مجرمة حرب ! “. في بروكسل ولندن وباريس، وغيرها من عواصم ومدن الدول الغربية ( الديمقراطية جدآ والتي تدعي حيادها بموضوع حقوق الإنسان ) ستغلق الشوارع، وتنظيم إضرابات عامة، كما حدث في إيطاليا لدعم أوكرانيا بعد الغزو الروسي. سيل جريان الدموع ستذرف على الشاشات التلفزة، والعويل والبكاء يملأ الأثير، والأطفال الأوكرانيون الجوعى في المستشفيات يصورون كرمز للبشرية المظلومة، وبينما يتم متعمدا مع سبق الإصرار والترصد يتجاهل أكثر من 15 ألف طفل فلسطيني تم قتلهم في غزة منذ ت1 2023. سيُوصف الجيش الروسي بـ”البشع والمجرم والوحشي والبربري” وستكون هناك مفردات وعبارات وجمل قاسية جدآ يتم جلبها من كتب التاريخ السحيق ومنذ القدم والأزل لغرض وصم الجيش الروسي !؟ وسيُطالب بمحاكمات دولية عاجلة للقادة الجيش الروسي، وكما في قضية الإبادة الجماعية المزعومة ضد روسيا في لاهاي . ولكن في غزة، يُخرج العالم كفه الأخرى، والعين العوراء. الإعلام الغربي يغطي الاعتراض بجملة قصيرة جدآ وتكاد لا ينتبه إليها أحد ، والحكام الغربيون يتكلمون عن “الحق في الدفاع ” الإسرائيلي، ولا عقوبات ولا تظاهرات. هذا ليس صدفة؛ إنه انعكاس للمناطق المظلمة في الوجدان والضمير الغربي الميت والعقل الجمعي لليمين المتطرف ؟ ونظرتهم السادية الوحشية عن حقيقية الحق الفلسطيني المسلوب ، حيث تبرر الجرائم إذا كان المنفذ حليفًا مثل إسرائيل ، وتدان إذا كان عدوًا . في أوكرانيا، الحصار المدن هو “غزو بربري وحشي وهمجي” يستحق العقوبات والدعم العسكري المفتوح بمليارات الدولارات؛ وفي قطاع غزة، هو يعتبر بمثابة “تدبير أمني” شرعي ويجوز الهجوم عليه بالطائرات بدون طيار واطلاق قذائف المدفعية والصواريخ ؟ . هذا الكيل بمكيالين ليس جديدًا؛ إنه ورثة قذرة وما تزال لسياسات الغرب التي أعطت إسرائيل غطاءً أخضر للحصار، وبينما تحاصر روسيا بكل سلاح. وهذا الصمت الذي نراها ليس بريئًا؛ إنه نفاق سياسي فاضح. خبراء الأمم المتحدة يصفون حصار غزة بانتهاك القانون الدولي، لكن لا أحد يتحرك. في المقابل، أي تحرك روسي يُقابل بعقوبات فورية. مظاهرات دعم الأسطول في روما وتونس وباريس تحدث، لكنها شعبية، لا يقودها وزراء كما في حالة أوكرانيا.هذا النفاق ليس صدفة. الغرب يدعم إسرائيل بالسلاح والمال والصمت، أسطول الصمود العالمي كشف هذه الحقيقة: الإنسانية ليست مبدأ عالميًا، بل أداة سياسية تُستخدم أو تُهمل حسب المصالح. الأطفال الفلسطينيون يموتون جوعًا، والعالم ينظر بعين واحدة، عوراء تمامًا. متى سيفتح العالم عينيه؟ أم أن النفاق سيبقى هو القانون الوحيد؟ اليوم، بينما يُحتجز ناشطون أوروبيون وأمريكيون في أسدود، وتصدر مظاهرات في روما وباريس وتونس دعمًا للأسطول، يبقى السؤال: متى يرفع العالم كفه الأخرى ليرى الأطفال الفلسطينيين كما يرى الأوكرانيين؟ أم أن العين العوراء ستبقى تحكم، والكيل بمكيالين يستمر حتى يغرق البحر بالأحلام المحتجزة؟ الأسطول لم يصل، لكن رسالته وصلت: الإنسانية لا تعرف حدودًا، ولكن العالم يحتاج إلى عينين ليراها والى كفين ليساهم في إعطاء الدواء وحليب الأطفال .sabahalbaghdadi@gmail.com