صباح البغدادي
ما تزال سحب الحرب تتكوم في سماء المنطقة، حاملةً في طياتها تهديداً بمواجهة شاملة لا تُبقي ولا تذر. وفي قلب توسونامي هذه العاصفة المتوقعة حدوثها في أي لحظة، يجد العراق نفسه مرة أخرى أمام اختبار وجودي وبين فكي كماشة : كيف يستطيع أن يدافع عن سمائه “المباحة والمستباحة” في ظل صراع تصفية الحسابات بين محاور إقليمية ودولية. تصريحات وخطابات المسيح المخلص “ترامب” في الكنيست الإسرائيلي وقاعدة كوانتيكو لمشاة البحرية الأمريكية الموجهة مباشرة إلى القيادة الإيرانية :” دمرنا برنامجهم النووي وأمل إلا تبدأ في استعادته مجددا لأننا سنضطر للتعامل مع ذلك بحزم ” و ” من المرجح جدأ أن تقوم تل أبيب بتوجيه ضربة الى إيران … لا أقول أن الهجوم وشيك ولكنه قوي ومحتمل جدآ” فهذه لم تعد مجرد إنذارات موجهة ، بل أصبحت صفارات إنذار على وشك الدوي. ولكن الخطر الأكبر للعراق قد لا يكون في الأعداء الخارجيين فقط، بل في العوائق الداخلية التي تحول دون بناء نظام دفاع جوي حقيقي يعتد به.
ولأنها لم تعد حرب شدة التصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب حرب كلمات وجمل وعبارات عابرة، بل تحولت إلى تهديدات ملموسة على ارض الواقع . فلم يترك مجالاً للالتباس آو التأويل . تأكيد ترامب في الكنيست ثم خطابه في قاعدة “كوانتيكو” لمشاة البحرية، يشيران إلى أن “الشرارة قد تندلع في أي لحظة”، وأن ساحة العراق هي المرشح الأكبر لاحتضان نيرانها مرة اخرى ولكن هذه المرة ستكون غير سابقتها.
وعلى الرغم من تصريحات وزارة الدفاع العراقية والتي ما تزال متضاربة حول الموعد النهائي لوصول منظومة “تشونغونغ-2” من حيث أنها اصبحت تُعد هذه الصفقة أكبر عملية تسليح في مجال الدفاع الجوي منذ إعادة بناء الجيش العراقي بعد عام 2003. ولكن ما تزال كذلك الخلافات التي ظهرت بين شركتي LIG Nex1 المنتجة للمنظومة، ومجموعة Hanwha الموردة للقواذف والرادارات والعربات، حول جدول التسليم وهي محاولة مستميتة لسد الثغرة الهائلة في دفاعاته الجوية، في صفقة تقدر قيمتها بنحو 3 مليارات دولار. هذه المنظومة، تمثل الأمل الأخير للعراق في حماية سيادته الجوية. ولكن، يظل السؤال الأكبر: هل ستصل هذه المنظومة في الوقت المناسب؟ والأهم، هل ستكون درعاً حقيقياً أم مجرد هدف جديد سوف تسعى إسرائيل لتدميره عاجل أو أجلا ؟
تيسير لنا في وقت سابق أن تتاح لنا الفرصة لغرض طرح بعض الأسئلة على أصحاب الشان والاختصاص وحتى بعض القريبين من الحدث حيث تكشف لنا مصادر متخصصة داخل احدى القواعد الجوية العراقية، للأسف، عن حقيقة مقلقة وغائبة عن الرأي العام. فبحسب هذه المصادر، لا توجد أي ضمانات أكيدة يعتد عليها مقدمة من الجانب الأمريكي بمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من استهداف المنظومة الكورية وتدميرها إذا ما تم نصبها على الأراضي العراقية. وهذا الكشف يضع الصفقة برمتها في موقف حرج، حيث أن الخطر لا يكمن فقط في فشل المنظومة تقنياً وفنيا، بل في إمكانية إخراجها من الخدمة بشكل استباقي في أولى لحظات أي مواجهة، على غرار ما حدث خلال الـ 12 يوماً من القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل. وتكشف لنا معلومات اخرى عن دراسة مفصلة مقدمة من قيادة الدفاع الجوي الى وزارة الدفاع بأن:” الخيار الكوري لم يكن الأول. ففي وقت سابق، قدمت قيادة الدفاع الجوي العراقي دراسة جدية لشراء المنظومة الصينية المتطورة HQ-9B، والتي تعادل في قدراتها منظومة “باتريوت” الأمريكية. لكن واشنطن، عند سماعها الخبر ، رفضت الفكرة بشدة وهددت بفرض عقوبات على العراق في حال سعى لتنفيذها “. هذا الموقف يكشف لنا الحقيقة الغائبة المرة: أن خيارات العراق الدفاعية ليست سيادية، بل محكومة بموافقة خارجية، مما يلقي بظلال من الشك على “الاستقلالية” المزعومة لأي صفقة دفاعية، بما فيها الصفقة الكورية ” تصوروا وصل بنا الحال أن تكون الشركة الكورية المصنعة كانت حريصة جداً على أموال الصفقة من الضياع، أكثر من حرص الجانب العراقي على ضمان جدواها الاستراتيجي في حالة عدم وجود اي ضمانة أمريكية ملزمة ومكتوبة للجانب العراقي . وهذه المفارقة تثير الكثير من علامات الشك والريبة والتساؤل: هل الهدف هو حقيقية تعزيز الدفاع الجوي أم أن البعض يسعى جاهدآ لإتمامها وكانها صفقة تجارية فحسب تأتي من ورائها الكثير من العمولات والرشاوي ؟
لا تزال الهواجس الموروثة من مرحلة ما بعد 2003، والمتمثلة في إمكانية انقلاب الجيش على النظام السياسي، تسيطر على العقل الجمعي للنخب الحاكمة، لتصبح عاملاً رئيسياً في عرقلة بناء مؤسسة عسكرية وطنية فاعلة.
فمن جهة، يُبدي الشركاء الأكراد في العملية السياسية تحفظاً واضحاً، بل ومقاومة فعلية، لأي محاولة جادة لتحديث وتسليح الجيش، وخاصة في مجالات المدفعية بعيدة المدى والدفاع الجوي المتقدم. ويمكن تفسير هذا الموقف من خلال سيناريو “الخوف الاستراتيجي”؛ فالجيش العراقي القوي والمستقل يشكل تهديداً وجودياً للكيانات الإقليمية والإدارية المستقلة التي أُرسيت بعد الغزو، والتي تفضل الاحتفاظ بقوات “بيشمركة” محلية كضامن لأمنها وسيطرتها.
ولكن المفارقة تكمن في أن هذا التخوف لا يقتصر على المكون الكردي وحده، بل يتعداه إلى كيانات شيعية رئيسية داخل النظام. فهذه الكيانات، التي تشارك في السلطة وتستفيد من ثمارها، تنظر بعين القلق إلى أي نمو في قوة الجيش النظامي، مما دفعها إلى تبني استراتيجية موازية تقوم على تعزيز وتطوير “الحشد الشعبي” كقوة عسكرية موازية، تكون أكثر عدةً وعتاداً في بعض الأحيان. هذا النموذج، الذي يُشبه إلى حد كبير دور “الحرس الثوري الإيراني” بوصفه قوة موازية للجيش النظامي الإيراني، يضمن بقاء التوازنات الداخلية على حالها، ويحمي نظام “المحاصصة الطائفية” من أي محاولة لتغييره بقوة السلاح.
وبالتالي، يمكن القول إن أكبر معوقات بناء الجيش العراقي لا تكمن في شح الموارد أو التهديدات الأمنية، بل في “المنطق الداخلي” للنظام السياسي نفسه. فالنظام الذي تأسس بعد عام 2003، وترسخت أركانه بعد انتخابات 2006، قام – بشكل ضمني – على مبدأ تقاسم السلطة والثروة بين المكونات، وليس على أساس مفهوم الدولة الوطنية الموحدة. وفي مثل هذه الأنظمة، يصبح الجيش الوطني القوي تهديداً للنفوذ والامتيازات، مما يدفع النخب الحاكمة – بوعي أو بلا وعي – إلى إبقائه ضعيفاً ومفتتاً، كي يضمن كل طرف بقاء حصته من الكعكة السياسية بعيداً عن أي رادع عسكري موحد.
وتكمن المعضلة الأعمق في الهيكل القيادي للقوات المسلحة العراقية نفسه، والذي لا يزال رهينة “المحاصصة الطائفية” التي فرضها النظام السياسي بعد عام 2003. فكما هو متعارف عليه، يُعتبر منصب وزير الدفاع للمكون السني وقائد الدفاع الجوي من “حصص” المكون الشيعي، وقيادة القوة الجوية من حصة المكون الكردي، وقيادة العمليات من حصة المكون السني. هذه المحاصصة في مؤسسة احترافية تقنية وفنية ،تنتج سلبيات كارثية، أبرزها:
- تقدم الولاء الطائفي على الكفاءة: حيث قد يُعين قادة لا يتمتعون بالمؤهلات والخبرة اللازمة لمجرد انتمائهم المكوناتي.
- تفتيت القرار العسكري: مما يعرقل التخطيط الموحد والسريع للدفاع عن المجال الجوي.
- تحويل المنظومة العسكرية إلى ساحة للمحاور: حيث يصبح ولاء بعض القادة خارجياً بدلاً من أن يكون للوطن.
النتيجة الحتمية لهذا المزيج المدمر – من الضغوط الأمريكية الخارجية، والمحاصصة الطائفية الداخلية، والكادر القيادي غير المؤهل – هي أن سماء العراق أصبحت فعلياً “مباحة ومستباحة”. لا عجب أن تكون القواعد الأمريكية هي الهدف الوحيد المحمي بفعالية، بينما تعجز المنظومة الدفاعية الوطنية عن ردع أي انتهاك لسيادة البلاد الجوية. صفقة المنظومة الكورية، في هذا السياق، تبدو كمحاولة لإنقاذ سفينة تغرق بمياه الفساد والتبعية، بشراء مجذاف جديد فاخر، بينما ثقوب الهيكل الأساسية لم تُسد بعد.