وعد السُّوداني بمنح جزء من صحراء الأنبار لغزاوييْن( قراءة وثائقية وتحليلية مع أرقام)

ضياء المهندس

تَسرّبت أخبار بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى الإمارات تفيد —بحسب ما تداوله بعض وسائل التواصل ووسائل إخبارية— أنّه تعهّد أمام جهات غربية/أمريكية بمنح جزء من صحراء الأنبار لاستيطان جزء من النازحين/السكان الغزاويين كجزء من «حل» للصراع أو كجزء من مشاريع إعادة توطين واستثمار. قبل الخوض في السيناريوهات، من الضروري الوقوف عند الحقائق المعلَنة والوقائع الموثَّقة:

إلى الآن لا يوجد تصريح رسمي أو اتفاقية منشورة تُثبت أن الحكومة العراقية أو رئيس الوزراء قد وقع رسميًا بمنح أراضٍ في الأنبار لمخطط توطين واسع للغزاويين؛ المقترحات المشابهة طُرحت مرارًا كأفكار أو سيناريوهات قابلة للنقاش لكنها بقيت غير رسمية ومثيرة للجدل.

في المقابل، تصاريح سابقة لرئيس الوزراء والدوائر الرسمية العراقية تُظهر موقفًا رافضًا لأي تهجير أو نية لإعادة توطين الفلسطينيين قسريًا في دول بعيدة عن وطنهم. وبالفعل هناك مواقف عراقية وعربية رافضة لسياسة «إخلاء» غزة أو نقل سكانها خارج قطاعهم.

الخلفية الموضوعية (أرقام مهمة)

عدد سكان قطاع غزة قبل الحرب/الأزمة يقارب 2.1 مليون نسمة (تقديرات الجهاز المركزي الفلسطيني وسلطات الأمم المتحدة). أي خطة نقل جماعي ستعني تحركًا بشريًا على نحو مماثل لسكان محافظات متوسطة الحجم.

نسبة التشريد الداخلي والهائل خلال سنوات الصراع بلغت أرقامًا درامية: تقارير الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية تشير إلى أن نحو 80–90% من سكان غزة تأثروا أو نزحوا خلال موجات العمليات العسكرية الأوسع، وما زالت احتياجات الإيواء والإغاثة ضخمة.

تقديرات احتياجات إعادة الإعمار كبيرة جدًا: تقييمات مشتركة للأمم/البنك الدولي أشارت إلى حاجة تقدر بنحو 50–53 مليار دولار لإعادة الإعمار الكاملة لقطاع غزة والضفة على مدى السنوات المقبلة، مع حاجة فورية بعشرات المليارات للمرحلة الأولى. هذا يكشف عن ضخامة تكلفة أي خيار «استيطان/إعادة توطين» أو إعادة إعمار.

الأنبار السورية العراقية (محافظة الأنبار) هي أكبر محافظات العراق مساحةً —حوالي 135–139 ألف كلم²— لكنها ذات كثافة سكانية منخفضة (سكانها نحو 1.7–1.9 مليون بحسب تقديرات مختلفة). هذا يعني أن المحافظة ذات مساحة شاسعة ولكن ليست «خالية» من سكان أو بنى تحتية يَجِب أخذها بالاعتبار.

تحليل واقعِيّ :

ما الذي يجعل سيناريو «استيطان الغزاويين في الأنبار» صعب التطبيق؟

  1. سياسيًا وقانونيًا: نقل أو تخصيص أراضٍ لمجموعة قومية/سكانية بالطريقة الموصوفة يتعارض مع مبادئ السيادة الوطنية، قوانين الملكية، ويمثل قضية سياسية داخلية حسّاسة (محافظة الأنبار لها سكانها وقيادات قبلية ومحلية). كما أن أي «تبادل» سيادي من دون مرجعية دستورية وبرلمانية واجتماعية سيواجه رفضًا داخليًا قويًا.
  2. دبلوماسيًا وإقليميًا: معظم الدول العربية والإقليمية (بمن فيهم الإمارات، مصر، الأردن، السعودية) عبرت سابقًا عن رفض لأي حل يقوم على تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم أو «تجنيس» جماعيٍ بديلاً عن حق العودة. الإمارات ودول أخرى صرّحت مرارًا بأنها لا تؤيّد نقلًا قسريًا للغزاويين كحل.
  3. إنسانيًا وعمليًا: استيعاب مليون أو نصف مليون شخص في منطقة صحراوية يتطلب بنى تحتية، مياه، كهرباء، خدمات صحية وتعليم—أمر مكلف جدًا (انظر تقديرات الـ50+ مليار دولار). كما أن سياسات الدمج الاجتماعي والاقتصادي مع السكان المحليين تحمل مخاطر توترات وصراعات محلية.
  4. أمنيًا: الأنبار شهدت صراعات مسلحة ووجود مجموعات مسلحة وأطراف قبلية متجذرة؛ استقدام قوة حماية أجنبية أو إنشاء حماية أمنية عراقية تحت إشراف جهات ثالثة سيكون معقدًا ويستدعي ترتيبات أمنية وسياسية حسّاسة. السيناريوهان العمليان الأكثر احتمالًا:
  5. مشروع استثمار وإعمار داخل غزة
    أو في دول مجلس التعاون (دعم خليجي/دولي وإدارة تقنية متعددة الأطراف)

هذا السيناريو أكثر واقعية: دول الخليج والمانحون الدوليون يتقدّمون بتمويل لإعادة الإعمار داخل غزة أو لمناطق آمنة قريبة، مع عقود لإشراف إداري وتقني قد تشمل شركات من دول عدة (بما في ذلك شركات إسرائيلية في حالات تعاون تقني محدودة أو عبر طرف ثالث). لكنه يتطلب ضمانات سياسية وقانونية وربما مجلس إدارة دولي للتمويل. الأدلة تشير إلى أن الدول الإقليمية تفضل دعم إعادة الإعمار وإبقاء السكان قرب وطنهم.

  1. مشاريع استثمارية ربطية/توطين طوعي محدود داخل العراق (مشروعات سكنية أو اقتصادية بمشاركة خليجية) وليس «توطينًا قسريًا» واسعًا

يمكن أن تسهم أموال خليجية في إنشاء مشاريع سكنية أو اقتصادية للاجئين/المتضررين في بلدان الجوار (بما شواهد تاريخية حين استقبل العراق لاجئين مؤقتين)، مع إدارة محلية وعراقية وأمنية عراقية، وربما مشاركة فنية دولية. لكن هذا يبقى محدودًا وسيُخضع لموافقات برلمانية ومحلية. الأدلة المتاحة حتى الآن لا تُظهر اتفاقات رسمية بهذا الشأن.

مَن يدير؟ مَن يموّل؟ مَن يحمي؟
— تقييم سريع

التمويل: الأرجح أن تمويل إعادة البناء أو مشاريع التوطين سيعتمد على تجمع دولي (دول غربية، مؤسسات دولية، ودول الخليج)، لأن عبء موازنة مثل هذه التحركات يفوق قدرة دولة واحدة. تقديرات البنك الدولي تُظهر أن الحاجة تتطلب شراكات واسعة.

الإدارة الفنية/التقنية: من الممكن أن تُستقدَم شركات تقنية وإدارة مشاريع من دول مختلفة، بما فيها شركات إسرائيلية في قطاعات مدنية وتكنولوجية في سيناريوهات تعاون محدودة (حوارات تقنية لا تعني قبولًا سياسيًا للسياسات المصاحبة). لكن مشاركة إسرائيلية مباشرة في إدارة سكانية داخل العراق ستكون سياسية شديدة الحساسية.

الحماية والأمن: أي حماية ستكون في النهاية مسؤولية عراقية، أو عبر قوات حفظ سلام دولية مُفوضة، أو ترتيبات أمنية ثنائية/متعددة الأطراف — وكل خيار يفتح بابًا لتوترات سيادية داخلية وإقليمية.

الخلاصة والتوصية

الحقيقة العملية الآن: لا توجد أدلة موثقة على أن رئيس الوزراء السوداني قدّم التزامًا رسميًا بنقل أو منح أراضٍ للغزاويين في الأنبار كاتفاق ملموس، والحديث عنه ما يزال في إطار الشائعات والتحليلات والسيناريوهات التي نوقشت إعلاميًا.

الأرجح سياسياً وعملياً: حلول مبنية على إعادة إعمار داخل غزة أو مشاريع تمويل دولي وإقليمي (مع إشراف دولي أو محلي) تبدو أكثر قابلية للتطبيق من «توطين جماعي» في الأنبار. أي نقاش عن نقل سكاني واسع سيواجه معارضة داخلية في العراق وإقليمية ودولية.

البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي