ضياء المهندس
يُعَدّ نظام “مسار بولونيا” (Bologna Process) من أهم الأنظمة التعليمية في أوروبا والعالم، إذ طُبِّق في أكثر من 49 دولة منذ العام 1999 بهدف توحيد أنظمة التعليم العالي، وتعزيز الاعتراف المتبادل بالشهادات، ورفع كفاءة الطلبة والكوادر الأكاديمية. غير أن التجربة العراقية في تطبيق هذا النظام ما تزال تواجه صعوبات جدّية تهدد بفشلها قبل أن تكتمل.
أين تكمن الإشكالية؟
تشير المؤشرات الراهنة إلى أن الإخفاق في تطبيق “مسار بولونيا” داخل الجامعات العراقية لا يعود بالأساس إلى طبيعة النظام أو محتواه، بل إلى عوامل مرتبطة بالبيئة المؤسسية والإدارية، من أبرزها:
1. ضعف الإدارة الجامعية والوزارية:
62% من التدريسيين المشاركين في استبيانات جامعية عام 2024 أكدوا أن سوء الإدارة وضعف التنسيق بين الوزارة والجامعات من أبرز أسباب فشل التجربة.
2. كثرة العطل الرسمية والدينية:
العراق يتصدر قائمة الدول بعدد العطل، بواقع 150 – 160 يوماً عطلة سنوياً (أي نحو 44% من أيام السنة)، مما يقلص ساعات الدراسة ويؤثر مباشرة على الالتزام بالجدول الأكاديمي.
3. التأخر في التحاق الطلبة:
غالباً ما يبدأ طلبة المرحلة الأولى دوامهم الفعلي في شهر كانون الأول (الشهر 12)، أي بعد انقضاء نحو ثلث الفصل الدراسي الأول.
4. البيروقراطية والاعتماد على الورق:
أكثر من 80% من المعاملات الجامعية لا تزال تُدار بالملفات الورقية، مما يعرقل المرونة التي يفترض أن يقوم عليها “مسار بولونيا”
5. التدخلات السياسية وضعف استقلال الجامعات:
الجامعات العراقية ما تزال تفتقد إلى الإدارة الذاتية التي تُعَدّ ركناً أساسياً في نجاح أي نظام إصلاحي.
6. ضعف الكفاءات البشرية:
تقارير صادرة عن وزارة التعليم نفسها (2023) تشير إلى أن 40% من أعضاء الهيئة التدريسية لم يحصلوا على تدريب متخصص حول نظام بولونيا.
إيجابيات التجربة رغم التعثر
رغم الصعوبات، فإن التجربة لم تخلُ من مكاسب:
– زيادة وعي الطلبة بمفهوم “النقاط الدراسية” (ECTS).
– بداية إدخال نظام “المحفظة الإلكترونية للطالب” في بعض الكليات.
– رفع مستوى الانفتاح على الجامعات الأوروبية، خصوصاً عبر برامج التوأمة والاتفاقيات الأكاديمية.
مقترحات لمعالجة الفشل وضمان الاستمرارية
1. إصلاح بيئة الإدارة الجامعية:
– اعتماد مبدأ الإدارة الذاتية للجامعات مع تقليل التدخلات الوزارية في التفاصيل اليومية.
– تفعيل المجالس الأكاديمية المستقلة لمراقبة جودة التعليم.
2. إعادة ضبط التقويم الجامعي:
– تقليص عدد العطل الدراسية وإعادة النظر في توزيعها بما يضمن استمرارية الدراسة.
– إلزام الجامعات ببدء الدوام للطلبة الجدد في موعد لا يتجاوز تشرين الأول.
3. رقمنة التعليم:
إطلاق منصة وطنية لإدارة العملية التعليمية وفق نظام بولونيا، شبيهة بالمنصات الأوروبية (Moodle, Blackboard).
إنهاء الاعتماد على المعاملات الورقية بحلول عام 2027.
4. تطوير الكادر التدريسي:
– إلزام جميع التدريسيين بدورات تخصصية في نظام بولونيا.
– تخصيص نسبة 5% من ميزانية التعليم العالي للتدريب المستمر.
5. إشراك الطلبة والأساتذة في القرار:
– إجراء استطلاعات رأي دورية حول مدى نجاح التجربة.
– تمكين اتحادات الطلبة من المشاركة في تقييم النظام.
6. خطة زمنية واضحة:
اعتماد خطة من ثلاث مراحل (2025 – 2030):
قصيرة المدى (2025-2026): استكمال البنية التحتية الرقمية.
متوسطة المدى (2027-2028): تدريب الكوادر وتحقيق استقلال إداري نسبي.
بعيدة المدى (2029-2030): اعتماد بولونيا بشكل كامل في كل الجامعات العراقية.
الخاتمة
إن نجاح “مسار بولونيا” في العراق ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب وزير مهني قوي و إرادة سياسية حقيقية مستقلة عن الاحزاب، وإصلاحاً عميقاً في الإدارة الجامعية، ورؤية واضحة تضمن تكامل البنية التحتية والكادر الأكاديمي. فالتجربة الحالية أثبتت أن استنساخ النظم العالمية دون تهيئة البيئة المحلية لا يقود إلا إلى مزيد من الفوضى والتراجع.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي