حسين شكران الأكوش العقيلي
في كل موسم انتخابي، تتجدد الآمال وتُبعث الأحلام في نفوس المواطنين، على أمل أن يكون القادم أفضل، وأن يحمل المرشحون في جعبتهم مشاريع حقيقية تعالج أوجاع الناس وتنهض بالمجتمع. غير أن الواقع كثيرًا ما يُخيب التوقعات، حين يظهر بعض المرشحين بأساليب لا تمت بصلة إلى القيم الديمقراطية ولا إلى الأخلاق السياسية، بل تنحدر إلى مستويات من التزييف والتضليل، تبدأ بالوعود الزائفة ولا تنتهي عند شراء الذمم.
المرشح السياسي، في جوهره، يجب أن يكون حاملًا لرسالة، ناطقًا باسم قضية، ومؤمنًا بأن صوت الناخب أمانة لا صفقة. لكن حين يتحول الخطاب إلى استعراض، والبرنامج إلى دعاية فارغة، يصبح الناخب ضحية لعملية خداع ممنهجة، تُمارس فيها فنون الإقناع الزائف، وتُستغل فيها حاجات الناس وظروفهم المعيشية كأدوات ضغط لا كقضايا تستحق الحل.
الوعود الزائفة ليست مجرد كلمات تُقال في لحظة حماس، بل هي أدوات تضليل تُستخدم بوعي كامل من قبل بعض المرشحين الذين يدركون أن تحقيقها غير ممكن، أو أنها لا تستند إلى أي خطة واقعية. فيُطلقونها كطُعم انتخابي، يراهنون فيه على ضعف الذاكرة الجماعية، وعلى قدرة المال والإعلام على طمس الحقائق بعد الفوز. هذه الوعود لا تضر فقط بالناخب، بل تُضعف الثقة العامة بالعملية السياسية، وتُكرّس ثقافة الإحباط واللامبالاة.
أما شراء الذمم، فهو الوجه الأكثر انحدارًا في سلوك بعض المرشحين، حين يُستبدل الحوار بالرشوة، ويُستبدل الإقناع بالمساومة. فيُقدَّم المال أو الخدمات أو الهدايا مقابل الصوت، وكأن الناخب سلعة تُباع وتُشترى، لا إنسانًا حرًا يختار من يمثله. هذه الممارسة، وإن كانت تُنفذ في الخفاء، إلا أن آثارها تظهر في العلن، حين يصل إلى المناصب من لا يستحق، ويُقصى من يحمل مشروعًا حقيقيًا لأن صوته لم يُشترَ.
إن هذه الانحرافات لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه بعض المجتمعات، حيث تضعف الرقابة، وتُهمّش الثقافة السياسية، ويُغيب الوعي الجماهيري. فحين يغيب القانون، ويُستبدل الإعلام المهني بالدعاية المأجورة، يصبح الطريق ممهّدًا أمام من يملك المال لا من يملك الرؤية. وهنا، لا بد من وقفة جادة، تُعيد الاعتبار لقيمة الصوت الانتخابي، وتُحصّن العملية الديمقراطية من التلاعب.
الناخب ليس مجرد رقم في صندوق، بل هو شريك في القرار، وصاحب حق في اختيار من يمثله بصدق. وإذا كان بعض المرشحين قد اختاروا طريق التضليل، فإن الرد الحقيقي لا يكون إلا بالوعي، وبالمساءلة، وبالرفض الشعبي لكل من يحاول أن يشتري الولاء بدل أن يكسبه. فالمجتمعات لا تنهض بمن يراوغ، بل بمن يصارح، ولا تتقدم بمن يشتري، بل بمن يخدم.
إن مسؤولية التصدي لهذه الانحرافات لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية، تبدأ من المواطن، وتمر بالإعلام، وتصل إلى المؤسسات الرقابية والقضائية. فكل صوت يُباع هو خيانة، وكل وعد زائف هو جريمة أخلاقية، وكل مرشح يراوغ هو تهديد لمستقبل الأمة.
وفي الختام، فإننا بحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين المرشح والناخب، لتكون علاقة مبنية على الثقة لا على الصفقة، وعلى المشروع لا على المصلحة. فالديمقراطية الحقيقية لا تُبنى على الأكاذيب، بل على الصدق، ولا تُصان بالمال، بل بالوعي. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في صناديق الاقتراع بل في ضمير الأمة، وفي قدرتها على التمييز بين من يخدمها ومن يستغلها.