شرارةُ النور التي وقعت في الطين

رياض سعد

من أين جئنا؟

ذلك السؤال الذي لم يُجِب عليه أحد، لكنه ظلّ يسكن في تجاويف الروح منذ الأزل، كما تسكن القطرة في قلب الغيم… ؛  الإنسان، في جوهره، ليس كائنًا أرضيًا خالصًا، بل أثرٌ سماويٌّ انحدر في تجربةٍ من النسيان… ؛  نحن مزيجٌ من ذرات الضوء والغبار، نحمل في أعماقنا توقَ النجم القديم، ونتثاقل بأعباء الجسد كأننا نحمل في أكتافنا خطيئة الوجود الماديّ.

لقد كان الإيمان الأول — الإيمان الفطريّ الذي يولد معنا — هو ذاكرة ذلك الأصل الغائب… ؛  حين ينظر الطفل إلى السماء ويشعر بالأنس، فهو لا يتعلّم الله، بل يتذكّره… ؛  السماء في نظره ليست فضاءً فارغًا، بل مرآةٌ لوجهٍ مألوفٍ من حياةٍ لم يتذكّرها بعد.

ومن هنا تنبثق الحكاية الأزلية بين الإنسان والله: ليست علاقة خوفٍ أو عبادةٍ فحسب، بل علاقة حنينٍ واشتياقٍ إلى الأصل، إلى النور الذي كان قبل الخلق، إلى تلك اللحظة التي لم يكن فيها “أنا” و”هو”، بل وحدة واحدة تسكنها الطمأنينة المطلقة.

لكنّ الإنسان، حين وُلد في الأرض، دخل امتحان الانفصال… ؛  لقد نُفي من سماء الروح إلى طين الجسد، ومن سعة النور إلى ضيق المادة، فأصبح في داخله صراعٌ سرمديّ: جزءٌ يحنّ إلى الأعلى، وجزءٌ يتشبّث بالأسفل… ؛  ولهذا نجد فينا شوقًا دائمًا لا يُفسَّر، حنينًا لا يُشبَع، رغبةً غامضةً بالعودة إلى جهةٍ لا نعرفها.

من هنا نفهم سرّ النظر إلى القمر والنجوم: ليس هو إعجابًا بجمالها فحسب، بل هو استدعاءٌ غير واعٍ لأصلنا السماويّ… ؛  كل نجمٍ نراه يُخاطب فينا جزءًا نائمًا يقول: “كنتَ منّي، وها أنت تسكن غيري.”

إن الإنسان لا يموت حين تنتهي حياته، بل حين ينسى أصله النوريّ ويستسلم تمامًا لثقل الأرض… ؛  الموت الحقيقيّ هو التحلّل في المادة، أما الخلاص فهو التذكّر: أن يتذكّر المرء أن الله ليس في المعابد ولا في السماء وحدها، بل في النور الذي تسرّب إليه منذ البدء، وفي الضياء الذي يسكن كل ذرة من وجوده.

فالإنسان، في رؤيته الصوفية العميقة، ليس عبدًا تائهًا فحسب، بل شرارة من الله نُفخت في الطين لتعرف ذاتها عبر التجربة… ؛  وكل رحلةٍ في العمر هي محاولةٌ لاستعادة ذلك النور الذي نُسيَ فينا… أن نستعيد “الأبد” الذي سقط في “الآن”.

وحين يكتمل الوعي، لا تعود السماء بعيدة، ولا الله غائبًا، ولا الموت فناءً… ؛ بل يصبح الكون دائرةً واحدةً من نورٍ وطينٍ وروح، فيها يعود كل شيءٍ إلى أصله، كما تعود الشرارة إلى النار التي أنجبتها… ؛ عندها نعرف معنى ( انا لله وانا اليه راجعون ) .