خلطة العطار لانتصار عمدة نيويورك المسلم !  كشف حقيقة الواقع المخزي لشعارات مرشحي الانتخابات البرلمانية العراقية؟

صباح البغدادي

في زمن يفوز فيه شاب مسلم يساري “زُهران مَمْداني”، بمنصب عمدة نيويورك – أعظم مدن العالم وأكثرها ازدهارًا – ومن دون أن يبذر دولارًا واحدًا من جيوب الفقراء أو يشتري ولاءات الشيوخ ورجال الاعمال ، ولكن مع الاسف فقد كشفت صورة فوزه الساحق للعراقيين بان يظلوا او ما يزالون أسرى لفساد برلماني يُشبه حفلة سرقة عامة تحت غطاء الديمقراطية . فوز “ممداني”، ليس مجرد انتصار انتخابي فقط بل هو في الحقيقة كصفعة مدوية لأولئك الذين يُديرون صناديق الانتخابات العراقية كمزرعة خاصة لأمراء احزاب الطوائف والعشائر ، حيث يُباع الصوت الانتخابي مقابل حفنة من الدولارات أو وعد بـ”منصب” يعطى لشيخ او تاجر او رجل اعمال بان يكون له نصيب وحظوة في الحكومة التالية . هذا الفوز الساحق، الذي هزم فيه “ممداني” الديمقراطي الاشتراكي البالغ من العمر 34 عامًا المنافسين الثقال مثل أندرو كومو (السابق حاكم نيويورك) و”كورتيس سليوا”، يكشف عن مدى ما وصل إليه عمق الوباء الطائفي العراقي: صناديق ستكون مملوءة بأصوات مزيفة مشتراة مسبقآ ، وبرلمان يُنتخب ليس بالأفكار والمشاريع وامل للمستقبل ، بل سيكون والولائم الدسمة والملصقات والشعارات الجوفاء والتي أصبحت تغطي الجدران كالسرطان . الان دعونا ان نقف لحظة واحدة مع انفسنا قبل غيرنا , وان نُصحح هذا الوهم والسراب أولاً ؟ لأن العلمانية التي اختارها ” ممداني” ليست “منتجًا” للتطرف وإلغاء الآخر وتسقيطه ومحوه من الوجود ، بل هي الدرع الوحيد ضد الغرق في مستنقع الطائفية والمذهبية الذي يُغرق فيه العراق الان . “ممداني”، الذي وُلد في أوغندا لأب مسلم شيعي هندي وأم هندوسية، وتزوج من سورية مسلمة من مواليد هيوستن، لم يفز بفضل ” خلطة عطار لديانات عجيب ” بل بفضل نهجه “العلماني” الذي يفصل الدين عن الدولة تمامًا، مُحولاً “تنوعه” إلى “قوة” ومستقبل زاهر ,  لا إلى قنبلة طائفية وعرقية موقوتة قد تنفجر بوجه الجميع في أي لحظة . هذا الشاب الوسيم البارع في فن الخطابة والالقاء وما يحمله من كاريزما شخصية ، الذي كان ناشطًا في حملات اليسار التقدمي، لم يقم بإقامة ولائم فاخرة أو شراء أصوات المهاجرين ، ولا أنفق ملايين الدولارات على الإعلانات التجارية أو ملء الشوارع بملصقات عملاقة تحجب الشمس عن الفقراء . أو سرقة قماش دعايات اليافطات وترك الاطفال عرايا , لا ! فاز بثلاثة مطالب بسيطة ولكنها كانت ثورية بوجه اباطرة ووحوش الراسمالية : خفض إيجارات السكن المُرتفعة في مدينة أصبحت بمرور الزمن و جشع الرأسمالية تبتلع الطبقة الوسطى شيئا فشي ، إسقاط ديون الطلاب الذين يُكبلون بها أحلامهم ، ورفع الضرائب على الشركات العملاقة التي تُثري حفنة من الأثرياء بينما يتضور الآلاف جوعًا ومزيد من الفقر والعوز والمشردين . حملة تبرعات من الشباب والطلاب، ونشاط ملهم وملحوظ من على وسائل التواصل الاجتماعي يُلهم الشباب، وتجوال في الأسواق يوزع فيه بطاقات صغيرة تحمل اسمه ورقمه الانتخابي – هكذا فقط ــ دون أن يلهث وراء ان يوزع اي بطانيات او مبردات او ادوية قاربت على انتهاء صلاحيتها كما يحدث حاليآ في العراق ، ولكن بإيمان المجتمع بنشاطه الميداني الملحوظ للقاصي والداني ، قد هزم المليونيرات واللوبيات الصهيونية المتطرفة ، محققًا فوزًا يتجاوز 50% من الأصوات في استطلاعات الخروج، مدعومًا بتسجيل قياسي للناخبين الشباب تحت 45 عامًا . 

أما نحن في العراق حاليا فحدث ولا حرج ، في الانتخابات البرلمانية ليست سوى مسرحية هزيلة للسرقة المُنظمة، حيث تُملأ الصناديق بأصوات مُشتراة من الفقراء، ويُنتخب النواب ليس ببرامج للتنمية والمشاريع الخدمية بمستقبل افضل للأجيال القادمة ، بل بوعود طائفية تُغذي الفرقة كالسم في الوريد. تخيلوا: في نيويورك، يفوز ممداني بدعم من آلاف المتطوعين الذين يؤمنون بـ”القوة في يد الشعب”، بينما في بغداد، يُغرق السياسيون الشوارع بملصقاتهم الضخمة التي تُحجب الرؤية عن المواطنين، ويُنفقون ملايين الدولارات المُسروقة من الميزانية العامة على حملات إعلامية كاذبة وولائم تُشبع بطون الشيوخ العشائرية. يغيرون جلودهم كالأفاعي، يتنكرون في أزياء الإصلاحيين بينما يُفرغون خزائن الدولة في جيوبهم. فوز العلماني “ممداني”، الذي سجل أعلى نسبة تصويت منذ 1969، يُذكّرنا بأن الانتخابات يجب أن تكون احتفالاً بالاختيار الواعي للمصلحة العامة ، لا مزادًا للطوائف والعشائر الذي يعود بنا إلى قرون عصر الظلام ! وحتى في وجه الهجمات، برز ممداني كرمز للصمود والتضحية والفداء . حتى محاولات الحثيثية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأثير سلبًا عليه والتمني بفشله في الانتخابات وحث لعدم انتخابه ، ومُهدّدًا بقطع التمويل الفيدرالي للمدينة ومُتهمًا “ممداني” بالشيوعية، كما فعل اللوبي الإسرائيلي الذي وصفه بـ”المعادي للسامية” في حملة تشويه فاشلة. ولكن هذه الإساءات، بدلاً من أن تُسقطه، حصدت له تعاطفًا جماهريا أكبر، مُحوّلة حملته إلى حركة شعبية تجاوزت الحدود الأمريكية. إنه أول مسلم وأصل جنوب آسيوي يصل إلى هذا المنصب في تاريخ نيويورك، وأصغر عمدة منذ قرن، مُثبتًا بالوقت نفسه بأن التقدم والازدهار والتنمية يأتي من فصل الدين عن السياسة، لا من استغلاله كسلاح للانقسام والتشرذم والتقاتل . ودون شك او تاويل وفي هذا السبق التاريخي يُحرج المتطرفين العراقيين الذين يُقاومون أي محاولة للعلمانية، مُصوّرين إياها كـ”خيانة” بينما هي السبيل الوحيد للخروج من دوامة الفساد التي لا خروج منها . فوز “زهران ممداني” ليس قصة نجاح أمريكية فحسب؛ إنه مرآة مُكسّرة تعكس قبح ما وصل إليه النظام الانتخابي العراقي ، حيث تُسرق صناديق الانتخابات يوميًا باسم الديمقراطية. والقول الفصل والأخير وللحقيقة وللتاريخ اذا اراد العراق ان ينهض من جديد فنحن اصبحنا بأمس الحاجة اليوم وليس غدآ إلى ممدانيات وزهرانيات عراقية : شباب يُقاتلون بالأفكار والتنوير لا بالدولارات والدينار والتومان والريال ، ويُبنون برامج للشعب الواحد الأحد الذي ” لا ” شريك له لا للطوائف والمذاهب . إن لم نغيّر الشعب العراقي هذا الواقع المرير المأساوي ، فسنظل نُشاهد من بعيد كيف تُدار المدن الحقيقية في الغرب ، وبينما نغرق في اوحال مستنقعنا الخاص من السرقة والكذب والفساد .لان هذا هو الدرس الحقيقي لنا ومن نيويورك : الانتخابات ليست للأفاعي ، بل للأحرار .