شيخوخة بلا أمان ( معاناة المتقاعدين مع الراتب الهزيل)

بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي – كاتب ومؤلف

المتقاعد ليس مجرد فرد أنهى سنوات خدمته، بل هو ذاكرة حيّة للوطن، ومرآة لتضحياتٍ امتدت عقودًا من العمل في مؤسسات الدولة وخدمة المجتمع. ومع ذلك، يجد نفسه اليوم أمام واقعٍ قاسٍ، راتبٌ هزيل لا يكفي لسدّ أبسط الحاجات، ولا ينسجم مع غلاء المعيشة وضغوط الحياة اليومية. إنّها مفارقة مؤلمة بين عطاءٍ طويلٍ بلا حدود، وبين مردودٍ ضئيلٍ لا يليق بكرامة الإنسان ولا بتاريخ عطائه.

وحين نتأمل حال المتقاعدين، ندرك أنّ القضية ليست مالية فحسب، بل هي قضية إنسانية واجتماعية وأخلاقية. فالمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة، يستحق أن يعيش شيخوخته بطمأنينة، لا أن يظلّ أسير الحسابات الضيقة والقلق المستمر على لقمة العيش. إنّ الراتب الذي لا يسدّ الحاجة يضعه في مواجهةٍ يومية مع العوز، ويجعل سنوات الراحة المفترضة تتحوّل إلى سنوات معاناة جديدة.

ومع الراتب الهزيل لا ينعكس على المتقاعد وحده، بل يمتد أثره إلى أسرته، إلى أبنائه وأحفاده الذين يرون في الجد أو الأب رمزًا للعطاء، فإذا بهم يشهدون معاناته مع الفقر والحرمان. وهنا يتجلى البعد الاجتماعي للقضية، حيث يصبح ضعف الراتب عاملًا في إضعاف الروابط الأسرية، وفي إشاعة شعورٍ عامٍ بالظلم وفقدان العدالة.

وإنّ الحديث عن المتقاعدين هو حديث عن العدالة الاجتماعية، عن الوفاء لمن صنعوا حاضر الوطن وأسّسوا لمستقبله. فالمجتمع الذي لا يكرّم متقاعديه، ولا يضمن لهم حياةً كريمة، هو مجتمع يفرّط في ذاكرته ويهمل جذوره. والراتب الذي لا يسدّ الحاجة ليس مجرد رقمٍ في ورقة، بل هو انعكاس لسياساتٍ تحتاج إلى مراجعة، وإلى إعادة نظرٍ جذرية تضع الإنسان في مركز الاهتمام.
وإن جميع المتقاعدون لا يطلبون رفاهية زائدة، بل يطالبون بحقٍ طبيعي يضمن لهم حياةٍ كريمة، في دواءٍ متاح، في غذاءٍ كافٍ، في مسكنٍ آمن، وفي شعورٍ بالاحترام والوفاء. إنّهم يطالبون بأن تتحوّل شيخوختهم إلى مرحلة أمان، لا إلى مرحلة قلقٍ ومعاناة والم.

وهكذا، فإنّ قضية المتقاعدين وراتبهم الهزيل هي قضية وطنية بامتياز، تحتاج إلى صوتٍ صادقٍ يعبّر عنها، وإلى إرادةٍ حقيقية تعيد الاعتبار لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة والمجتمع. فالمتقاعدون هم ذاكرة الوطن، وكرامتهم جزءٌ من كرامة الوطن نفسه.