د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله عز وجل “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” ﴿المائدة 4﴾ يَسَأْلُونَكَ: يَسْـَٔلُ فعل، ونَ ضمير، كَ ضمير، مَاذَا حرف استفهام، أحل فعل، لَهُمْ: لَ حرف جر، هُمْ ضمير. يسألك أصحابك أيها النبي: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ قل لهم: أُحِلَّ لكم الطيبات وصيدُ ما دَرَّبتموه من ذوات المخالب والأنياب من الكلاب والفهود والصقور ونحوها مما يُعَلَّم، تعلمونهن طلب الصيد لكم، مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عند إرسالها للصيد، وخافوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه. إن الله سريع الحساب. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” (المائدة 4) “يسئلونك” يا محمد “ماذا أُحل لهم” من الطعام “قل أحل لكم الطيَّبات” المستلذات “و” صيد “ما علَّمتم من الجوارح” الكواسب من الكلاب والسباع والطير “مكلِّبين” حال من كلَّبت الكلب بالتشديد أي أرسلته على الصيد، “تعلمونهن” حال من ضمير مكلبين أي تؤدبونهن “مما علَّمَكُمُ الله” من آداب الصيد، “فكلوا مما أمسكن عليكم” وإن قتلته بأن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تترسل إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح، “واذكروا اسم الله عليه” عند إرساله “واتقوا الله إن الله سريع الحساب” (المائدة 4).
جاء في معاني القرآن الكريم: سأل السؤال: استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة، واستدعاء مال، أو ما يؤدي إلى المال، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة، أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللسان خليفة لها إما بوعد، أو برد. إن قيل: كيف يصح أن يقال السؤال.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” ﴿المائدة 4﴾ “يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ” ﴿المائدة 4﴾. الطيب ضد الخبيث، والخبيث ما نص الشارع على تحريمه بالخصوص كالميتة ولحم الخنزير، أو بالعموم، وهو ما فيه ضرر وفساد بجهة من الجهات. وقد ذكر سبحانه هذه الجملة بلفظها أو معناها في 15 مكانا من كتابه العزيز. “وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ”. واتفقت كلمة المذاهب على ان صيد الكلب يحل أكله بالشروط الآتية، واختلفت في صيد غيره كالفهد والصقر وما أشبه إذا كان معلما يفقه ما يفقهه الكلب، قال الشيعة: لا يحل. وقال غيرهم: يحل. واستدل الشيعة بأن لفظ مكلبين خاص بصيد الكلب المعلم، ومهما يكن، فلا يحل صيد الجوارح إلا مع توافر الشروط التالية: 1- أن يكون الجارح معلما إذا أمره صاحبه يأتمر، وإذا زجره ينزجر. وهذا هو معنى قوله تعالى: “تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ” ﴿المائدة 4﴾. 2- ان يرسله صاحبه بقصد الصيد، فلو انطلق من تلقائه، وأتى بالصيد مقتولا فلا يحل. 3- أن يكون الصائد مسلما عند الشيعة. 4- أن يسمي الصائد عند إرسال الجارح، فيقول: اذهب على اسم اللَّه، وما أشبه، وهذا معنى قوله تعالى: “واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ”. 5- أن يدرك الجارح الصيد حيا، وان يسند الموت إلى جرحه، فلو أدركه ميتا لم يحلّ، وكذا إذا أدركه حيا، ولكن مات بسبب آخر غير الجارح.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” ﴿المائدة 4﴾ الحلال من الصيد: أعقبت الآية الأخيرة آيتين سبق وأن تناولتا أحكاما عن الحلال والحرام عن اللحوم، وقد بيّنت هذه الآية نوعا آخر من اللحوم أو الحيوانات التي يحل للإنسان تناولها، وجاءت على صيغة جواب لسؤال ذكرته الآية نفسها بقولها: “يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ”. فتأمر الآية النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أوّلا بأن يخبرهم إنّ كل ما كان طيبا وطاهرا فهو حلال لهم، حيث تقول: “قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ” دالة على أنّ كل ما حرمه الإسلام يعتبر من الخبائث غير الطاهرة، وإن القوانين الإلهية لا تحرم مطلقا الموجودات الطاهرة التي خلقها الله لينتفع بها البشر، وإن الجهاز التشريعي يعمل دائما بتنسيق تام مع الجهاز التكويني وفي كل مكان. ثمّ تبيّن الآية أنواع الصيد الحلال، فتشير إلى الصيد الذي تجلبه أو تصيده الحيوانات المدربة على الصيد، فتؤكد بأنّه حلال، بقولها: “وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ” ﴿المائدة 4﴾. وعبارة جوارح مشتقة من المصدر (جرح) الذي يعني أحيانا (الكسب) وتارة يعني (الجرح) الذي يصاب به البدن، ولذلك يطلق على الحيوانات المدرّبة على الصيد، سواء كانت من الطيور أو من غيرها، اسم (جارحة) وجمعها (جوارح) أي الحيوان الذي يجرح صيده، أو بالمعنى الآخر الحيوان الذي يكسب لصاحبه، وأمّا إطلاق لفظة (الجوارح) على أعضاء الجسم فلأن الإنسان يستطيع بواسطتها إنجاز الأعمال أو الاكتساب. وجملة “وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ” ﴿المائدة 4﴾ تشمل كل الحيوانات المدرّبة على الصيد، ولكن كلمة (مكلبين) التي تعني تدريب الكلاب للقيام بأعمال الصيد، والمشتقة من مادة (كلب) أي الكلب، تقيد هذه الجملة وتخصصها بكلاب الصيد، ولذلك فإنّها لا تشمل الصيد بحيوانات غير هذه الكلاب مثل الصقور المدرّبة على الصيد. ولذلك ذهب فقهاء الشيعة إلى تخصيص الصيد الحلال بما يصاد من قبل كلاب الصيد، لكن جمعا من علماء السنّة ومفسّريهم ذهبوا إلى جواز الكل وأعطوا تفسيرا واسعا لعبارة “مكلبين” ولم يخصصوا ذلك بكلاب الصيد فقط. إلّا أنّنا نرى أنّ المصدر الأساس لهذه الكلمة المشتقة إنما يدل على أنّها مخصصة بكلاب الصيد فقط، وبديهي أنّ الصيد الذي تجلبه حيوانات مدرّبة أخرى، يعتبر حلالا في حالة جلبه حيّا وذبحه وفق الطريقة الشرعية.
ويستطرد الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل قائلا: أمّا عبارة “تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ” فإنّها تشير إلى عدّة أمور هي 1ـ إنّ تدريب مثل هذه الحيوانات يجب أن يستمر، فلو نسيت ما تعلمته وقتلت حيوانا كما تفعله بعض الكلاب السائبة، فلا يعتبر عند ذلك ما قتلته صيدا، ولا يحل لحم هذا الحيوان المقتول في مثل هذه الحالة، والدليل على هذا القول هو كون فعل “تعلمونهن” فعلا مضارعا، والفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال. 2ـ يجب أن يتمّ تدريب هذه الكلاب وفق الأصول الصحيحة التي تتلاءم مع مفهوم العبارة القرآنية “مِمَّا عَلَّمَكُمُ”. إنّ العلوم كلها سواء كانت بسيطة أم معقدة مصدرها هو الله، وإنّ الإنسان لا يملك بنفسه شيئا ما لم يعلمه الله. إضافة إلى ما ذكر فإنّ كلاب الصيد يجب أن تدرب بحيث تأتمر بأمر صاحبها، أي تتحرك بأمره وتعود إليه بأمره أيضا. وبديهي أنّ الحيوان الذي تصيده كلاب الصيد، يجب أن يذبح وفق الطريقة الشرعية إن جلب حيّا، وإن مات الحيوان قبل دركه فلحمه حلال وإن لم يذبح. وأخيرا أشارت الآية الكريمة إلى شرطين آخرين من شروط تحليل مثل هذا النوع من الصيد. أوّلهما: أن لا يأكل كلب الصيد من صيده شيئا، حيث قالت الآية: “فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ” ﴿المائدة 4﴾. وعلى هذا الأساس فإن الكلاب لو أكلت من الصيد شيئا قبل إيصاله إلى صاحبها، وتركت قسما آخر منه، فلا يحل لحم مثل هذا الصيد ويدخل ضمن حكم “ما أَكَلَ السَّبُعُ” الذي ورد في الآية السابقة، ومثل هذا الكلب الذي يأكل الصيد لا يعتبر في الحقيقة كلبا مدربا، كما لا يعتبر ما تركه من الصيد مصداقا لعبارة “مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ” ﴿المائدة 4﴾ لأنّه في هذه الحالة يكون (أي الكلب) قد صاد لنفسه (لكن بعض الفقهاء لم يروا في هذا الموضوع شرطا، مستندين إلى روايات وردت في مصادر الحديث وذكرتها كتب الفقه بالتفصيل). ومجمل القول هو أن كلاب الصيد يجب أن تدرب بحيث لا تأكل من الصيد الذي تمسكه. والأمر الثّاني: هو ضرورة ذكر اسم الله على الصيد بعد أن يتركه الكلب، حيث قالت الآية: “وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ” ﴿المائدة 4﴾. ولكي تضمن الآية رعاية الأحكام الإلهية ـ هذه ـ كلها، أكّدت في الختام قائلة: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ” ﴿المائدة 4﴾ داعية إلى الخوف من الله العزيز القدير، ومن حسابه السريع.