ثامر عباس
حين يعجز الإنسان عن مواجهة المشاكل الاجتماعية والتحديات المصيرية التي تواجهه يوميا”وتفاجئه عند كل منعطف ، لا يجد أمامه سوى الرجوع الى مواريث الماضي للبحث عما قد يعينه على درء ما يمكن أن يتمخض عن تلك المشاكل والتحديات من منغصات معيشية ومعاناة نفسية . ولعله قد يصيب في هذه العملية الارتكاسية أو الارتدادية بعض النجاح ولو لحين ، إلاّ انه لا يلبث أن يقع في مآزق أخرى ومخانق أضافية أشد وطأة عليه من سابقاتها ، لكونه لجأ – لحلّ تلك المشاكل وتلافي تلك التحديات – الى الطرق السهلة والمسارات المطروقة ، بدلا”من أن يختار سبل البحث الشاق والتنقيب المضني عما يجعل حياته سهلة وسلسلة قليلة لا تطاق من المعاناة الدائمة والمكابدات المستمرة .
ولعل لجوء الغالبية العظمى من الناس البسطاء ، ممن لم يتحصلوا على قدر كاف من العلوم والمعارف الإنسانية ، للتعلق بمواريث الماضي ومخزونات التاريخ واعتبارها الرصيد الحضاري والرمزي الذي يمكنهم الاعتماد عليه في لحظات الإحساس بالعجز الذاتي ، إزاء صدمات الواقع وانهيارات المجتمع . نقول ان لجوء هؤلاء الى مثل تلك الخلفيات والمرجعيات المؤمثلة ، تبدو مفهومة ومبررة ، في بعض الأحيان ، طالما ان الإنسان المعني لا يملك ما يجعله قادرا”على مواجهة تلك التحديات القائمة والتصدي لتلك التهديدات المتوقعة ، سواء بسبب قصوره الذاتي أو عجزه الموضوعي . ولكن هل يا ترى ان هذا التشبث (الطفولي) الشبيه بالبله ، كفيل بتحقيق ما يعجز الإنسان شخصيا”عن تحقيقه بقواه الذاتية وإرادته الحرة ، أم أنه سيسهم – باستمرار الرهان على مناقب مفترضة أو فضائل متخيلة – بزيادة معاناته الاجتماعية ، ومضاعفة مكابداته الاقتصادية ، ورفع توتراته النفسية ؟! .
فعلى فرض صحة ما تناقلته كتب التاريخ والحضارة من أن (أسلاف) العراقيين القدامى (كانوا) البناة الأوائل للحضارات (السومرية والبابلية والأكدية والآشورية) ، مثلما (كانوا) السبّاقين في اختراع الكتابة والتدوين ، و(كانوا) المبتكرين في سن القوانين والشرائع ، و(كانوا) المبادرين في بناء المدن والحواضر . فإن ذلك لا يمنح (الأخلاف) العراقيين المحدثين شهادة (الإعفاء) من نقد عيوب حاضرهم المزري ، و(الإعراض) عن مسائلة ما يبيتون لمستقبلهم المظلم . إذ لم تكن في يوم ما – بالنسبة للشعوب الأصيلة والأمم الحيّة – أمجاد الماضي (منطلقا”) أو (مرتكزا”) للانخراط في أتونات التطور العلمي – التكنولوجي ، والتقدم الاجتماعي – الاقتصادي ، والرقي الثقافي – الحضاري ، التي تعدّ معيارا”للتنافس بين مختلف الدول والحكومات المعاصرة الطامحة للفوز بمقومات التفوق والصدارة والهيمنة . بقدر ما كانت تلك الأمجاد الغابرة (حافزا”) أو (دافعا”) للشروع بنفض غبار كل ما له علاقة بمظاهر التخلف العلمي والاجتماعي والاقتصادي والحضاري والإنساني .
والجدير بالذكر ، ان قوانين التطور الاجتماعي والرقي الحضاري لا تبالي أو تراعي ، ضمن دينامياتها وسيروراتها وجدلياتها ، ما تتباهى به الشعوب الفاشلة والأمم العاجزة حيال ما (كان) ماضيها الآفل وتاريخها الزائل ، وإنما تهتم كل الاهتمام وتأخذ وتراعي كل المراعاة ما يفترض أنه (كائن) في حاضرها الماثل ، وما ينبغي له أن (يكون) في مستقبلها المقبل . ولعل هنا تكمن معضلة المجتمع العراقي الكبرى ، التي من أبرز عواقبها وتداعياتها أنها لا تشجع فقط القوى الفاعلة (نخب وصناع رأي) في المجتمع على الركون الى مغريات الكسل الثقافي والعطالة الفكرية فحسب ، وإنما تزيد من حالات التشويش والارتباك والغموض التي من شأنها (إعاقة) عمليات التفاعل والتواصل ما بين تلك الديناميات والسيرورات والجدليات ، بحيث ستغدو الأمور – بالنسبة لتلك القوى – من الصعوبة بمكان تمكنها من الكشف عن العوامل المؤسسة للإشكاليات ، مثلما تصيبها بالعجز عن تشخيص البنى العميقة المؤثر في صيرورات الظواهر الغريبة والمظاهر الشاذة .
ومما يعمّق مأساة هذه (اللوثة) الحضارية المزمنة ، هي أن أغلب (نخب) العراق المعاصر لا (تجهل) فقط معنى ومغزى قوانين التطور الاجتماعي فحسب ، وإنما (تتجاهل) ما تنبئ به من مؤشرات منذرة ومعطيات محذّرة بوقوع الكوارث ، حين يصار الى (الخلط) بين السياقات التاريخية ، و(المزج) بين المراحل الحضارية ، بحيث يفضي هذا الأمر الى تبرير المغالطات وتسويغ الانحرافات التي غالبا”ما كانت من أبرز خصائص تلك (النخب) الفاشلة ، سواء أكان ذلك على مستوى الوعي أو على صعيد السلوك .