يقظة الفكرة

رياض الفرطوسي

في كل زمن مضطرب، تولد الأفكار كما تولد النجوم: من عتمةٍ كثيفة، لكنها تصرّ على اللمعان. هكذا كان شأن كثير من أبناء العراق الذين لم يكتفوا بالشكوى، بل حاولوا أن يضعوا حجراً في طريقٍ مأزوم لعلّ خطاً جديداً يُرسم. بعض هذه الأفكار وصل فعلاً إلى طاولة القرار، وبعضها الآخر ظلّ ينتظر لحظة يتخفف فيها الوطن من أثقاله ليلتفت إلى ما هو أعمق من إدارة يوم بيوم.

والعراق اليوم، وهو يخوض واحداً من أصعب مخاضاته، يعيد ترتيب اقتصاده، ويحاول أن يعيد تشكيل ذاته من جذورٍ أنهكتها عقود من التآكل. ليس المطلوب فقط مشاريع إسمنت وحديد، بل مشروع أكبر: أن نعيد فتح النوافذ أمام التفكير الحر. فبدون ذلك، يظل أي إصلاح مثل نهرٍ تُحاصره السدود.

لقد طُرحت أفكار كثيرة في السنوات الماضية للتعامل مع أزمات العراق الاقتصادية والاجتماعية. بعضها كان واقعياً يمكن البناء عليه، مثل تحسين منظومات الري والزراعة عبر تقنيات حديثة، أو إعادة هيكلة التمويل، أو دمج المزارعين والمنتجين في كيانات قوية تكسر الاحتكارات. أفكار بسيطة في ظاهرها، لكنها شجاعة في جوهرها لأنها ترفض الاستسلام لرتابة “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

غير أن الفكرة، مهما كانت، تحتاج إلى بيئة تُنصت. والمشكلة ليست في شحّ العقول، بل في ثقل الأنظمة الشمولية حين تمر على مجتمعات مثل عاصفة ترابية تُخدر قدرة الإنسان على الرؤية. في مثل هذه البيئات يُصاب الرجال والنساء بما يشبه العقم العقلي: يعتادون الاجترار بدل الابتكار، ويتحول الزمن لديهم إلى شاشة بالأبيض والأسود، لا مساحات رمادية، لا أسئلة، لا احتمالات.

يتلاشى الخيال، وتستيقظ التفسيرات السحرية: رياح حمراء؟ غضب السماء. أزمة اقتصادية؟ لعنة أو مؤامرة. أما التفكير المنطقي فيتراجع كأنه ترفٌ لا يليق بالفقراء والمنهكين.

ومع مرور الوقت، يتشكل مجتمعٌ مشدود الأعصاب، يشبه قفص القرود الذي يصفه علماء السلوك: القرد الأكبر يبحث عن ضحية يؤكد بها سلطته، والقرود الصغيرة تتعلم الصمت، ثم يتوارث الجميع الخوف وكأنه دستور غير مكتوب. هكذا يتحول الناس إلى ظلال خفيفة، تتآكل قدرتهم على الربط بين الظواهر، ويُختزل الوطن في مجموعة من ردود الأفعال الغريزية.

لكن رغم كل ذلك، تبقى الفكرة أقوى من القفص. الفكرة التي تُقال في الوقت الخطأ قد تتبدد، لكنها لا تموت. تظل تدور في الهواء مثل بذرة تبحث عن تربة أفضل. وما يحتاجه العراق اليوم هو أن يستعيد تلك اللحظة التي يُصدّق فيها الإنسان أن رأياً صغيراً قد يغيّر مسار نهرٍ كامل.

إن المستقبل لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالثروة وحدها، بل بعقلٍ يتعلم أن يرى ما خلف الغبار.

فحين تستيقظ الفكرة… يستيقظ الوطن معها، أكثر جمالاً، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على البدء من جديد.