رياض سعد
كان ينهض كل صباح … ؛ كأن أحداً أوقعه عمداً من النوم … ؛ يسحب جسده من تحت الركام
كما تُسحب جثة من تحت بيتٍ منهار … ؛ ثم يمشي… ؛ لا لأنه يريد الذهاب إلى مكان … ؛ بل لأن الوقوف صار مؤلماً بقدر السقوط …!!
هو لا يخطئ … ؛ هو يستأنف الخطأ كما تُستأنف الحرب بعد هدنة قصيرة … ؛ كأن الخسارة لم تكن كافية … ؛ وكأن الخراب يحتاج دوماً إلى طبقة إضافية من الدمار…!!
ذاكرته ليست مثقوبة … ؛ ذاكرته مقبرة بلا شواهد ، تبتلع الأسماء ، وتحتفظ فقط برائحة الفقد … ؛ ذاكرته تعرف الطريق إلى الندم .. أفضل من طريق العودة.
كان يرى الوجع قبل أن يولد ، يسمع صرير الخيبة وهي تشحذ سكينها في الغرفة المجاورة … ؛ ومع ذلك كان يفتح الباب بنفسه، ويدخل للذبح كما يدخل الخروف الى المسلخ …!!
كل مرة قال: “لن يتكرر” … ؛ كان الكون يضحك، ضحكة بلا صوت، ضحكة تُرى في تكرار الكارثة لا في صداها … .
العلاقات لم تكن له ملاذاً … ؛ كانت مشافي ميدانية يخرج منها كل مرة بضماد جديد ينزف تحته جرحٌ أقدم …
كان يمدّ قلبه للآخرين كما تُمدّ الكفّ تحت السكين: عارياً، راجفاً، ومستعداً لأن يتعلم الألم بشكل أوضح.
يسقط ، فيترك السقوط حفرة فيه … ؛ ينهض، فتسقط الحفرة معه،
يصير إنساناً محمّلاً بالفجوات، يمشي , ويُسمَع له صوت الفراغ.
لا يسأل: لماذا؟
لأن السؤال نفسه صار رفاهية لا تليق بمن غرق.
ولا يطلب النجاة، لأن النجاة بدت له مزحة ثقيلة الدم في حفلة إعدام طويلة.
حتى الأمل…؛ هذا الطائر الخفيف اللطيف ،كان يأتيه مكسور الساق والجناح ، يزحف نحوه،
فينظر إليه دون أن يطير بعيدا …!!
ليس هذا بسبب قسوةً القلب ، أو النظرة السوداوية والتشاؤم … ؛ بل لأن التعب
تجاوز حدّ العداء…
الحياة لم تعد خصماً، ولا عدواً، ولا امتحاناً… ؛ بل صارت جداراً أسود … ؛ يمشي بمحاذاته طيلة الوقت … .
لا يعرف إن كان محبوساً أم هو الذي اختار السجن وتعلّم شكل الزنزانة عن ظهر قلب …
وفي لحظةٍ باردة، من تلك اللحظات التي لا تحدث فيها الأشياء بل تُقفل فقط … ؛ فهم أخيراً:
أن التكرار ليس مصادفة … ؛ ولا سوء حظ … ؛ بل النسخة الوحيدة المتاحة من القدر …
وأن اللاجدوى لا تعني غياب المعنى ؛ بل تعني أن المعنى نفسه انتحر منذ زمن … ؛ وترك الجسد يتحرك بالعادة …
وحين ينظر الآن إلى نفسه ، لا يرى إنساناً، بل ظلاً يرتدي اسمه ، يسقط بطريقة صحيحة، ينهض بطريقة صحيحة، ويؤدي طقوس الخسارة بإتقان موظفٍ في دائرة كونية لا تُغلق أبوابها…
هو لا يصرخ… ؛ لأن الصراخ يحتاج إلى أملٍ كي يُسمَع، ولا يبكي… ؛ لأن الدموع شكل آخر من أشكال الرجاء… ؛ هو فقط يتآكل بهدوء … ؛ كخشبٍ رطبٍ تنخره العتمة من الداخل بلا ضجيج… ؛ وذلك، كان أكثر ما فيه مرعباً.