مرونة النظام العراقي الديمقراطي: آلية التصحيح الذاتي وقابلية التكيف في مواجهة التحديات

رياض سعد

يتميّز هذا النظام الديمقراطي الراهن ، مقارنةً ببقية الأنظمة الجمهورية الدكتاتورية والعسكرية والطائفية التي طواها التاريخ، فضلًا عن العهد الملكي البائس الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية بالحرمان  والمرض والفقر المدقع والتفاوت الطبقي والاقطاع … ؛ بعدة خصائص جوهرية… ؛ وأبرز هذه الخصائص هي المرونة والنسبية في التطبيق، بعيداً عن الجمود والتعصب الأيديولوجي، مما يمنحه قدرة فريدة على التكيف والاستجابة… ؛ فهو نظام لا يدّعي الكمال ولا يتعامل مع المجتمع بوصفه كتلة صمّاء، بل يعترف بتعدّد المصالح وتباين القوى، ويسعى إلى إدارة التناقضات بدل قمعها أو إنكارها... .

إن جوهر هذا النظام لا يكمن في ادّعاء الطهارة المطلقة، بل في قدرته على احتواء الأخطاء وتقليص آثارها قدر الامكان … ؛  فإذا تورّط بعض المسؤولين في الفساد، فإن ذلك — على قبحه — لا يؤدي بالضرورة إلى حرمان بقية الشعب من مقوّمات العيش أو إغلاق أبواب الحياة أمامه … ؛ كما كان يحدث في الأنظمة الشمولية التي كانت فيها : سرقة الحاكم تعني فقر الأمة بأسرها… ؛  بل إن واقع الحال، وإن كان مؤلمًا أحيانًا، يكشف أن شرائح من المجتمع قد تنتفع بصورة غير مباشرة من هذه الاختلالات، كالمقرّبين أو العاملين ضمن دوائر الحماية والمحيط الإداري لهذا المسؤول او ذاك ، مع التأكيد أن الحديث هنا عن “البعض” لا عن الكل.

غير أن ما يمنح هذا النظام بعده الديمقراطي الحقيقي هو قابلية التصحيح الذاتي… ؛  فحين ترتفع الأصوات الشعبية، ويشتد ضغط الإعلام، وتتعاظم موجات النقد ضد صفقة مشبوهة أو مسؤول فاسد، نجد أن آليات الدولة تتحرّك — عاجلًا أم آجلًا — لإلغاء الصفقة، أو إقالة المسؤول، بل ومحاسبته قانونيًا في بعض الحالات… ؛  وهذه السمة، مهما شابها من بطء أو انتقائية، تبقى فارقًا جوهريًا بين نظام يسمح بالمساءلة ونظام يجرّم حتى التفكير بها.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن خروج الجماهير في تظاهرة هنا أو احتجاج هناك، للمطالبة بالخدمات أو فرص التعيين أو تحسين الواقع المعيشي، لا يُواجَه غالبًا بالقمع الحكومي القاسي ، بل يدفع الحكومة — في كثير من الأحيان — إلى الاستجابة أو محاولة التخفيف من حدّة الأزمة، ولو بالحدّ الأدنى… ؛  وهذه الاستجابة، وإن لم تكن مثالية أو شاملة دائمًا، تعكس إدراكًا رسميًا بأن الشارع شريك في القرار، لا عدوًا ينبغي كسره.

وفي سياق آخر لا يقل أهمية، تبرز تجربة فصائل المقاومة الإسلامية التي قبلت بنزع السلاح، رغم إيمانها العميق بضرورة حمله في ظل التحديات الأمنية المستمرة، وتهديدات الجماعات التكفيرية والفصائل الطائفية الإرهابية التي لم تختفِ بالكامل من المشهد… ؛  ومع ذلك، فقد غلّبت هذه الفصائل صوت الحكمة والحنكة السياسية، وقدّمت المصلحة الوطنية العامة على الشعارات الآنية، ورضخت لمنطق الدولة ومقتضيات الاستقرار.

ولم تلتفت تلك القوى إلى شماتة هذا الطرف أو سخرية ذاك، لأن حساباتها تجاوزت ردود الفعل العاطفية إلى تقدير المآلات والنتائج… ؛  وإن دلّ هذا السلوك على شيء، فإنما يدل على درجة من النضج السياسي والوعي بالمرحلة، وفهم عميق لموازين القوى وإكراهات الواقع.

وقد عبّر أسلافنا العراقيون عن هذه الحكمة بقولهم المأثور: « اليد الماتكدر تلاويها بوسها»، أي إن التعامل مع الواقع أحيانًا يقتضي المرونة لا المكابرة… ؛  وهو معنى ينسجم مع القاعدة القرآنية الراسخة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، حيث يُقاس الفعل السياسي الرشيد بقدرته على الموازنة بين المبدأ والاستطاعة، وبين الطموح وما تسمح به الظروف.

وهذا كله يُشير إلى أن جوهر الديمقراطية ليس الوصول إلى الكمال، بل إتاحة آلية للتصحيح الذاتي دون حاجة إلى عنف دموي أو انقلابات عسكرية … ؛  إنها نظام يعترف بتنوع المجتمعات ويعمل ضمن “وسعها” وإمكانياتها … .

وهكذا، فإن قوة هذا النظام لا تكمن في خلوّه من العيوب، بل في قابليته للتكيّف، واعترافه بحدود الممكن، وسعيه الدائم — ولو بتعثّر — إلى تصحيح المسار، وهو ما يجعل الديمقراطية مسارًا مفتوحًا على التطوير، لا نموذجًا جامدًا يُفرض بالقوة أو يُصان بالخوف.