اشارات الشهيد السيد محمد باقر الحكيم عن القرآن الكريم من سورة المائدة (ح 117)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تعالى “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة 2) جاء في كتابات في الميزان عن الوحدة في فكر شهيد المحراب للكاتب رحيم الخالدي: كل من عاش فترة سبعينات القرن الماضي وما تلاها، يعرف من هو “محمد باقر الحكيم”، هذا المجاهد قاوم وعارض أعتى طاغية عرفه التاريخ، وبقي كذلك حتى إنتهاء حقبة حزب البعث. جاء للعراق بموكب بسيط إسْتَقبَلًتْهُ كُلْ المحافظات الجنوبية، منتظرةً منه بدأ العيش الكريم على يديه، لكن المتربصين وبعد سماع خطاباته، التي تحض على التعايش وترك ونبذ الطائفية، التي زرعها حزب البعث المقبور، كانت له بالمرصاد منهية حياته بتفجير غادر وضخم، وضعوا فيه كل حقدهم، لانهاء آمال العراقيين. أحد الخطابات التي تلاها في الروضة العلوية، وهو يؤكد على حفظ دماء العراقيين، وإحترام مرجعية النجف الأشرف، كان له الأثر الكبير في نفس من يعتاش على الفتنة، التي أكلت من شباب العراقيين ما أكلت، ومن كان بالأمس يعتاش عليها، واليوم يتمتعون بالمناصب والأموال والخدم والحشم ويشار لهم بالبنان، ولا بد من التذكير أن اؤلئك القادة المجاهدين، الذين لبوا نداء الوطن بالجهاد الكفائي، هم من نتاج تلك المدرسة، التي انشأها شهيد المحراب الخالد. المسيرة الجهادية التي طالت مدتها بدأت برعاية والده المرجع الكبير السيد “محسن الحكيم”، ورفقة الشهيد “محمد باقر الصدر” كانت مليئة بالمخاطر، وأجهزة الأمن البعثي تُلاحِقُهُ وتسجل كل شاردةٍ وواردة، ليهاجر ويترك الوطن بعدما وصلت الأمور لنهاية المسير والتضحية بحياته والمشروع، الذي سيندثر بعد إنتهاء حياته، فآثر على الهجرة. من خلال المتابعة والتحليل، نجد أن خطب الشهيد الحكيم لا تخلو من ذكر المرجعية، والدعوة الى التمسك بها ” أن من أولى أولوياتنا هي وحدة كلمتنا، وأن نكون يداً واحدة، ومراجعنا متحدون، ونحن في خدمة مراجعنا” وبهذا قد صبّ كل تطلعات المراجع الكرام في بوتقة واحدة، وهذا ما لا يتطابق مع أهداف ونوايا المحتل، الذي لو ترك الأمور تسير وفق ما صُرّحَ به الشهيد، لكان العراق اليوم حُرا،ً يمتلك قراراته دون تدخل أي من يريد السير بالعراق للخراب، الذي لمسناه من خلال ما أنتجته السياسة الأمريكية المدمرة. في إحدى خطبه ومن خلال متابعته، للذين لا يستطيعون التحمل والصبر يرافقه العوز والفقر لشريحة كبيرة عانت ولا تزال تعاني فيقول “إذا كان هناك من يتمكن أن يتحمل هذه المشكلة، بما قدر الخالق سبحانه وتعالى له من إمكانيات وقدرات وأموال ورجال، فما شأن المحرومين والمستضعفين من أبناء أمتنا، هؤلاء الذين لا يتمكنون أن يتحملوا عبء هذه الفوضى والأضرار البالغة لهم التي تمسّ قضاياهم، وأهم أمور حياتهم، ومن هنا نجد هذا الإضطراب الواسع الذي يشكل معضلة في الحياة المعيشية للناس، إذ ليس هناك إستقرار في حياتهم المعيشية” كما ويشير في إحدى خطبه للجمعة الثانية الى مفصل مهم جداُ من المفاصل منها: الأمن وفقدان النظام، وتلكؤ المؤسسات العامة، التي يحتاجها الناس في حياتهم الشخصية، والإجتماعية، والإقتصادية، والحقوق المهضومة المنتهكة لكثير من الناس في العراق الجريح، الذي تعرضت أرواحهم للقتل، وممتلكاتهم للتدمير، ورأى (قدس) أنه لابد من السعي لإرجاع هذه الحقوق، وتعويض هذه الممتلكات لهؤلاء المحرومين. في لطيفة له بإحدى الخطب، أشار الى التلاحم بين أطياف الشعب العراق المتعدد الأديان والطوائف، ودعا سماحته إلى إحترام الأقليات الدينية، كالمسيحيين وغيرهم، ورأى أن التعرض لهم، أو الإعتداء عليهم يُعَدُّ عدواناً لا يتسامح معه، وأن المراجع العظام لم يأذنوا بمثل هذه الأعمال، موصياً بإحترام القانون وتقويته لأنه أساس بناء الدولة، كما للتعليم من منزلة كبيرة في إعداد جيل يتمتع بالعلم والمعرفة، التي توصلنا لبر الأمان من دون الإحتياج للخبرات الخارجية، وهذا يساهم في البناء الصحيح للدولة، والفائدة للمجتمع أولا والفرد ثانياً.

جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: ابعاد الهدف الرئيس من نزول القرآن: أ – التغيير الجذري: (فالبعد الأول) هو (التغيير الجذري) وهو ما يعبر عنه بلغة العصر: بالثورة وعبر عنه القرآن بعملية الاخراج من الظلمات إلى النور: “يخرجهم من الظلمات إلى النور” (البقرة 257) على أساس قاعدة: “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد 11). “ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الأنفال 52). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا البعد في آيات عديدة تضمنت الهدف الأصلي من القرآن، كما تضمنت أيضا الهدف الأصلي من مهمة النبي صلى الله عليه وآله: “قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم” (المائدة 15-16). (ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد” (ابراهيم 1). “هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وان الله بكم لرؤوف رحيم” (الحديد 9). ففي هذه الآيات يشير القرآن الكريم إلى أن عملية التغيير الجذري التي يعبر عنها بعملية الخروج من أحد القطبين المتناقضين إلى القطب الاخر (النور والظلمات)، ليست فقط من الاهداف التي يحققها ويتصف بها، كما في الآية الأولى، بل هي الهدف من أصل نزول القرآن، كما في الآية الثانية والثالثة. ويؤكد هذا ما جاء في القرآن الكريم من وصف الله سبحانه بأنه: (نور السماوات والأرض) الذي يعني أن هذا النور هو (الله) سبحانه، فيكون الهدف من القرآن تغيير هذا الانسان تغييرا يجعله مرتبطا بالله تعالى: “الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم” (النور 35). ومما يلقي الضوء على أن عملية التغيير الجذري (الاخراج من الظلمات إلى النور) هي الهدف الرئيس، ما أشير إليه في القرآن الكريم من ربط هذه العملية بشكل متضاد ومتعاكس بتوجهات علاقات الانسان المؤمن والكافر بالقطبين (الله) و (الطاغوت) في مختلف مجالات حياته وممارساته ونتائج مسيرته: “الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا” (النساء 76). (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب” (الزمر 17-18). كما جاء في القرآن الكريم أن الهدف الرئيس الذي وضع على عاتق الرسل هو تحقيق هذا الهدف: “ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين” (النحل 36). وانما كان الامر كذلك لان ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، و (الصيرورة) إلى الجنة والنار، انما تكون على أساس هذا الولاء: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” (البقرة 257). ولعل التعبير بالمفرد عن النور، وبالجمع عن الظلمات للإشارة إلى أن طريق الله واحد، والطريق إلى الطاغوت يأخذ اشكالا متعددة، لان الله واحد والطاغوت متعدد.

جاء عن دار السيدة رقية عليها السلام للقرآن الكريم منهج السيد محمّد باقر الحكيم قدّس سرّه في التفسير للدكتور خليل خلف بشير العامري: المنهج، والتفسير لغةً: جاء في مادة (نهج) في المعاجم العربية بمعنى الطريق أو السلوك فقد ورد هذا المعنى في مختار الصحاح قول الرازي: ‏(‏النهج بوزن الفلس، والمنهج بوزن المذهب، والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق: أبانه وأوضحه، ونهجه أيضاً سلكه). ومثل هذا في المعجم الوسيط إذ ورد في المادة نفسها أن معنى ‏(‏نهج الطريق، نهجاً ونهوجاً: وضح واستبان، ويقال: نهج أمره، ويقال: نهج الطريق: بيّنه وسلكه. والمنهاج: الطريق الواضح، وفي التنزيل العزيز {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا” (المائدة 48) المنهج: المنهاج)‏. أما مادة (فَسَرَ) فترد في المعاجم العربية بمعنى البيان والتفصيل. قال الخليل: ‏(‏الفَسر: التفسير، وهو بيان وتفصيل للكتاب، وفسره يفسره فَسراً، وفسّره تفسيراً‏)‏، وأفاد الراغب الأصفهاني أن الفسْر بمعنى ‏(‏إظهار المعنى المعقول، والتفسير في المبالغة كالفسر‏)‏، وجاء في المعجم الوسيط أن فَسَرَ الشيء وفسّره بمعنى وضّحه، وفسّر القرآن شرح آياته ووضّح ما تنطوي عليه من معانٍ، وأسرار. ولما كانت لفظة (التفسير) مشتقة من فسّر لا من فسَرَ، بوصفها مصدراً مأخوذاً من صيغة (فعّل) التي هي أبلغ من صيغة (فعَل) فإن صياغته من باب التفعيل يقود للمبالغة في محاولة استنباط المعاني فكل زيادة في المباني ترافقها زيادة في المعاني، كما يقول الصرفيون. المنهج والتفسير اصطلاحاً: يعرف المنهج بأنه ‏(‏مجموعة الأسس والقواعد التي تعتمد في استنطاق النص القرآني ولبيان معناه والكشف عن معطياته‏)، أما منهج التفسير فهو مجموعة من الوسائل والمصادر الخاصة في تفسير القرآن التي من خلالها يتبين معنى الآية ومقصودها والحصول على نتائج مشخصة، وتنحصر تعريفات المفسرين لمصطلح (التفسير) بثلاثة مستويات): في نطاق واسع يتناول كل علوم القرآن. في مستوى الدلالة الموضوعية لألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها. في مستوى القرآن أي أن ما في القرآن من مراد الله تعالى. ويمكن الإشارة إلى تعريفات بعض المفسرين بالآتي: 1ـ يعرِّف الشيخ الطبرسي التفسير بأنه ‏(‏كشف المراد عن اللفظ المشكل‏). 2ـ ويرى الطباطبائي أنه ‏(‏بيان معاني الآيات القرآنية والكشف عن مقاصدها ومداليلها‏)‏. 3ـ أما السيد الخوئي فيذكر أنه إيضاح مراد الله تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل أو الشرع.