حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح

رياض سعد

حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح

لمّا بلغ العاشرة، صار حسين يعرف الشوارع أكثر مما يعرف دفاتر المدرسة…

كانت الأرصفةُ أمَّه المؤقّتة، وإشارات المرور ساعاتٍ لا تتعب،

ومنذ العاشرة، وحسين يرحل بين الاحجار والاسفار… ؛  يبيع قطرات الماء نهارا ، ثم اقراص الاغاني المكدورة مساءً , ثم صار يقدّم الشاي للغرباء كأنّه يقدّم قلبه في قدحٍ زجاجيٍّ رخيص… ؛  كان الوقت يتسرب من بين اصابعه كالرمال الحارة… ؛  كبر سريعا  , و اشتد عوده … ؛ لا لأنّ الزمن كان كريمًا … ؛ بل لأنّ الجوع لا يسمح بالطفولة … .

  تحولت الشوارع الى سوق لأجساد ناقصة… ؛  كان يقايض الحنين بالدينار، ويشتري لمسات مؤقتة من بائعات الحرمان ومتسولات الشوارع … ؛  يربح الفا وينفق نصفه على لهوات باردة: قبل بلا ذكرى، و لمسات بلا معنى، و ايام تتكسر على اجساد غريبة.

نعم ,  جسد حسين، كان ملكا منفصلا… ؛  كان يجوب مدينة الاسمنت برغبات عارية، يركض وراء لذات سريعة تذوب كالملح في فم البحر… ؛  لاحقته الخلوات، والاجساد المقابضة ، وحتى الاجساد المشابهة… ؛  لم يعد يفهم فرقا، فالجوع نفسه في جميع الحالات... .

لم تكن علاقة حسين بجسده سوى تاريخ من التوترات المكبوتة… ؛  منذ الطفولة، تحوّل جسده إلى ساحة معركة بين “الهو” الغريزي الجائع، و”الأنا” المذعورة، و”الأنا العليا” التي تلوح بقيم مجتمع لم يمنحه سوى الفقر والازدراء…

 في نظرية فرويد، يولد الإنسان بطاقة جنسية غريزية – الليبيدو – تشكل شخصيته عبر مراحل نموه… ؛  لكن حسين، ابن الشوارع منذ العاشرة، علق في مرحلة بدائية: مرحلة تلبية الحاجة المجردة، حيث يختلط الجوع بالرغبة، والطعام بالمتعة، ويصبح الفم – أول المناطق “الإيروتوجينية” عند فرويد – مدخلاً للألم وليس للذة… ؛  لقد فُطم عن براءة الطفولة باكراً، فلم يتعلم تأجيل الإشباع، بل تحول إشباع الرغبة إلى فعل بقاء، يشبه سرقة رغيف خبز…

مع صبايا الشوارع، لم تكن علاقته سوى تكرار بائس لهذا النمط … ؛   بحثه عن “صغيرات السن” لم يكن مجرد انحراف أخلاقي، بل كان، من منظور سريالي، محاولة عبثية للعودة إلى “مرحلة الكمون” الجنسي المزعومة عند فرويد… ؛  تلك المرحلة التي يفترض أن تكون طاقة الطفل الجنسية فيها خامدة، منصرفة نحو التعلم واللعب البريء…

 كان يحاول، عبر اجتياح رائحتهن الزائفة، أن يلمس براءة هو نفسه لم يعرفها، كمن يلثم شبح طفولة مسروقة… ؛ فالمتعة الجسدية كانت ثانوية؛ الأهم كان إثبات القوة عبر امتلاك شيء “نقي” – حتى لو كان وهمياً – في عالم تدنّس كل شيء فيه.

تنقّل بين المهن كما يتنقّل العابر بين الظلال … ؛ حتى استقرّ به الحال فنّيًا في أحد فنادق العاصمة … ؛ صار يلمس الحياة من خلال آلات ميتة… ؛ ويُصلح الأسلاك المعطوبة … ؛ ولا يجد وقتًا لإصلاح نفسه …!!

كان يعود إلى أهله مرّةً في الشهر،

يحمل راتبه كاملًا ككفّارةٍ مؤجّلة،

أبٌ مشلول،

أمٌّ مثقلة بالمرض،

وأخٌ ينتظر العمل كما ينتظر المطر في صيفٍ قاسٍ...

لم يكن الادّخار ترفًا متاحًا … ؛ كان البقاء وحده مشروعًا يوميًّا...

وفي وحدته … ؛ تسلّلت الرغبات كريحٍ عمياء… ؛ لا تسأل عن أخلاقٍ ولا عن حدود … ؛ تطلب فقط أن تُسكَت...!!

وبفضل وجهه الوضاء، وجسده الرياضي الرشيق ، انفتحت له عوالم افتراضية… , فقد فتح نافذةً على العالم عبر شاشةٍ صغيرة … , فإذا بالوجوه تتكاثر، والكلمات تزداد لزوجةً، والاهتمام يتحوّل إلى فخٍّ ناعم… ؛ لم يكن يبحث عن حبّ … ؛ بل عن شعورٍ عابر يؤكّد أنّه ما زال حيًّا. ؛ و اصبح بثه على التيك توك مذبحة رؤى… ؛  تدفقت الرسائل العاطفية والجنسية كنهر من ضوء ازرق …

حتى وصل له طلب من ظل بنت سنها سبعة عشر رمادا، مخطوبة في محافظة بعيدة… ؛  لم يبال… ؛ طلب مال السفر وجسدها… ؛  وافقت الظل…!!

ذهب في ليلة حالكة السواد… ؛  التقيا امام (هيكل) – بناء ناقص كأحلام ذلك المكان… ؛  تحول الهيكل الى فم مظلم يبتلع اصواتهما سبع مرات…   

المكان نفسه كان استعارة سريالية لجسد حسين: هيكل عظمي من الإسمنت، ناقص، بلا واجهة، مهيأ لاحتواء أي فعل عابر… ؛  ممارسته الجنس معها سبع مرات كانت طقساً قهرياً، “تكراراً إجبارياً” يحاول من خلاله تفريغ توتر لا ينتهي…

 كان الفعل عدوانياً أكثر منه شهوانياً، كما لو كان يعاقب في جسدها كل براءة خانته، وكل فقر حرمه من تطور نفسي سوي… ؛  فرويد يرى أن الصدمات الجنسية المبكرة – أو الإحباط فيها – قد تشكل لاحقاً عصاباً قهرياً… ؛  هنا، كان العصاب يجسّد نفسه في حركة جسدية آلية، وكأنه يحاول، عبثاً، أن يملأ بجسد أنثوي فراغاً نفسياً أسود…

ولما انتهى، طلب المئة الف… ؛  ذهبت البنت الى بيتها كالسارق… ؛  بقي حسين ينتظر، فرأى خيالا اخر يتحرك خلف الباب… ؛  فاختفى كالحرامي المرعوب…

وسمع، من بعيد، صوت ام تسحب ابنتها: “ماذا تفعلين في جوف هذه الليلة؟”

 وكذبت البنت ببراعة الف امرأة شرقية : “سمعت نباح الكلاب!”

 فاندفعت خلفها … ؛ ثم سمع صوت صفع و اغلاق لباب الدار بقوة… ؛  هرب حسين، ولم يمسك في يده سوى ثلاثة الاف دينار – هباء لا يصل به الى بغداد… !!

مشى في طريق لا نهاية لها… ؛  وقفت الى جانبه سيارة صفراء… ؛  سائقها رجل اربعيني ينتثر الشيب على رأسه كالندى الاخير… ؛  امره بالصعود… ؛ عندها انقلب الصائد فريسة في سيارة السائق الأربعيني ، واكتملت الدائرة المأساوية… ؛ تحدث بصوت ناعم عن الاخلاق والدين… ؛ حتى عرف الحكاية الحقيقية … ؛ فجلس الصوت الناعم، وخرج من فم السائق صوت اخر، مسنن وجائع: عرض عليه خمسة عشر الفا لجسده…!!

لحظة صمت… ؛  في عيني حسين، تصارعت القذارة مع القذارة… ؛  ثم اجاب، وكأنه يساوم على بضاعة: “مرتين… ؛ بخمسة وعشرين الفا… ؛  وتوصلني الى الكراج”.

مارس الجنس مع الرجل  الغريب في مكان مهجور شبيه بقلبه… ؛ شعر باعياء لا يطاق، كان جسده قد انفصل اخيرا وراح يراقب نفسه من عل… ؛ ؛  لم يعد الجسد مجرد أداة لإشباع رغبة أو بيع متعة، بل تحول إلى “عملة أخيرة” في اقتصاد العوز… ؛  الطلب المزدوج – مال مقابل جسد – لم يكن صفقة جنسية فحسب، بل كان تحقيراً مزدوجاً: للسائق الذي حوّله الفقر إلى مفترس، ولحسين الذي حوّله إلى سلعة مقبولة …

اخذ الفلوس وعاد الى العاصمة… ؛ وفي طريق العودة، وبينما الحافلة تهتز كمهد، ادار رأسه نحو النافذة… ؛  رأى انعكاس وجهه في زجاج مظلم… ؛  لم يعد يرى وجوها، لا وجوه النساء، ولا وجوه الرجال، ولا حتى وجهه هو… ؛ رأى فقط شكلا  مستطيلا، املس وأبيض ، شبيه بتلك العملة المشبوهة التي تتبادلها الايدي في الخفاء…  

ففهم، للمرة الاولى، بوضوح مرعب: ليس الفقر نقص المال… ؛ بل الفقر ان تتحول الى سلعة، وان تسقط كل المعالم، حتى معلم القذارة نفسها… ؛ فالفقر لا يسلب الخبز فقط، بل يسلب القدرة على اختبار المتعة بكرامة… !!

نعم , أدرك أن الفقر لم يسرق منه المال فحسب، بل سرق منه “مصادر اللذة” الطبيعية… ؛ و حوّله إلى كائن تتحكم فيه “غريزة الجوع” قبل “غريزة الجنس”، فالتصقتا إلى الأبد… ؛ و لم يعد يعرف متعة لا تشوبها رائحة المعاملة، ولا لذة لا يقودها دافع القوة أو الخوف… ؛ اذ صار، كما أخبر نفسه في صمت الحافلة المهتز، “جسداً شرجياً” في عالم قضيبِي: منغلقاً على ألمه، مشتتاً، غير قادر على الإخراج أو العطاء بانتظام، يحتفظ بكل شيء ويطرحه في اللحظات والأماكن الخطأ…!!

ومنذ تلك الحادثة … ؛ صار يعرف : أنّ أشدّ أشكال الفقر ليس الجوع … ؛ بل أن يضطرّ الإنسان … ؛ لأن يعيش ضدّ نفسه …