الرحلة التجارية في تفسير الشيخ الطبرسي (ايلافهم رحلة الشتاء والصيف)

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن ايلاف “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)” (قريش 1-4) “لإيلاف قريش” أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش مضافة إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف فكأنه قال نعمة إلى نعمة فتكون اللام مؤدية معنى إلى وهو قول الفراء وقيل معناه فعلنا ذلك لتألف قريش بمكة ويمكنهم المقام بها أو لتؤلف قريشا فإنهم هابوا من أبرهة لما قصدها وهربوا منه فأهلكناهم لترجع قريش إلى مكة ويألفوا بها ويولد محمد صلى الله عليه وآله وسلّم فيبعث إلى الناس بشيرا ونذيرا وقوله “إيلافهم” (قريش 2) ترجمة عن الأول وبدل منهم “رحلة الشتاء والصيف” منصوبة بوقوع إيلافهم عليها وتحقيقه أن قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليهم فيه وأن يعرض لهم أحد بالسوء إذا خرجت منها لتجارتها والحرم واد جديب إنما كانت تعيش قريش فيه بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية ورحلة في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة ولولا هاتان الرحلتان لم يمكنهم به مقام ولولا الأمن لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل مكة أهلكهم الله لتألف قريش هاتين الرحلتين اللتين بهما معيشتهم ومقامهم بمكة وقيل إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام ولكن رحلة الشتاء في البحر وأيلة طلب للدفا ورحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة ولولا هاتين الرحلتين لم يمكنهم مقام ولولا الأمن لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل مكة أهلكهم الله لتألف قريش هاتين الرحلتين اللتين بهما معيشتهم ومقامهم بمكة وقيل إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام ولكن رحلة الشتاء في البحر وأيلة طلب للدفا ورحلة الصيف إلى بصري وأذرعات طلبا للهواء وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة فكل من ولده النضر فهو قرشي ومن لم يلده النضر فليس بقرشي واختلف في تسميتهم بهذا الاسم فقيل سموا قريشا للتجارة وطلب المال وجمعه وكانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع ولا زرع والقرش المكسب يقال هو يقرش لعياله أي يكتسب لهم وذكر أنه قيل لابن عباس لم سميت قريش قريشا فقال لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القريش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته قيل أ فتنشد في ذلك شيئا فأنشد قول الجمحي: وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا * تترك فيه لدى الحناجر ريشا.

وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء وكانوا يقولون قريش سكان حرم الله وولاة بيته قال الكلبي وكان أول من حمل الميرة من الشام ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف ويصدقه قول الشاعر: تحمل هاشم ما ضاق عنه * وأعيا أن يقوم به ابن بيض. أتاهم بالغرائر متأقات * من أرض الشام بالبر النفيض فوسع أهل مكة من هشيم * وشاب البر باللحم الغريض حكي عن الاصمعي انه قال: ابن البيض: هو رجل كان في الزمن الاول، عقر ناقته على تثنية فسد بها الطريق، ومنع الناس من سلوكها وقال بسامة بن حزن: (كثوب ابن بيض وقاهم به * فسد على السالكين السبيلا) والغرائر: الجوالق العظام واناقت الاناء: ملأته والنفيض: الزائل عنه الغبار، / والهشيم: الثريد وشاب الشيء بالشيء: خلطه والغريض: الطري وقال سعيد بن جبير مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ومعه أبوبكر بملأ وهم ينشدون: يا ذا الذي طلب السماحة والندى * هلا مررت ب آل عبد الدار لو أن مررت بهم تريد قراهم * منعوك من جهد ومن إقتار. فقال لأبي بكر أ هكذا قال الشاعر فقال لا والذي بعثك بالحق بل قال: يا ذا الذي طلب السماحة والندى * هلا مررت ب آل عبد مناف. لو أن مررت بهم تريد قراهم * منعوك من جهد ومن إيجاف (الايجاف: سرعة السير) الرائشين وليس يوجد رائش * والقائلين هلم للأضياف (راشه: أعانه وأغناه) والخالطين غنيهم بفقيرهم * حتى يصير فقيرهم كالكافي والقائلين بكل وعد صادق * ورجال مكة مسنتين عجاف سفرين سنهما له ولقومه * سفر الشتاء ورحلة الأصياف. كذا في النسخ ولكن في السيرة وغيره هكذا: (عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتين عجاف). وهو الاصح والمسنتون: الذين اصابتهم السنة وهي الجوع، والقحط والعجاف من العجف: وهو الهزال، والضعف.

قوله تعالى “فليعبدوا رب هذا البيت” (قريش 3) هذا أمر من الله سبحانه أي فليوجهوا عبادتهم إلى رب هذه الكعبة ويوحدوه وهو الله سبحانه “الذي أطعمهم من جوع” (قريش 4) بما سبب لهم من الأرزاق في رحلة الشتاء والصيف وأعطاهم من الأموال “وآمنهم من خوف” فلا يتعرض لهم أحد في سفرهم إذا قالوا نحن أهل حرم الله وقيل آمنهم من خوف الغارة بالحرم الذي جبلت قلوب الناس على تعظيمه لأنهم كانوا يقولون في الجاهلية نحن قطان حرم الله فلا يتعرض لهم وإن كان الرجل ليصاب في الحي من أحياء العرب فيقال هو حرمي فيخلي عنه وعن ماله تعظيما للحرم وكان غيرهم إذا خرج أغير عليه وقيل “أطعمهم من جوع” (قريش 4) أي من بعد جوع كما يقال كسوتك من بعد عري يعني ما كانوا فيه من الجوع قال ابن عباس كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين فلم يكن بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش