ايران بلا خامنئي…الشرق الأوسط بين الهيمنة الاسرائيلية والفوضى العربية

بقلم : خالد الغريباوي

الحديث عن عودة نظام بهلوي إلى الحكم في إيران لا يمكن مقاربته بوصفه مجرد تبدّل في شكل النظام السياسي، بل باعتباره لحظة كسر ستراتيجي قد تُنهي ما تبقى من توازنات الشرق الأوسط، فإيران الشاه لم تكن يومًا دولة طبيعية في محيطها بل مشروع قوة صُنع ليكون ذراعًا غربيًا متقدمًا في الإقليم مندمجًا عضويًا في المنظومة الأميركية، ومرتبطًا أمنيًا بإسرائيل قبل أن يكون ذلك مقبولًا أو معلنًا، لذلك فإن سيناريو “إيران الجديدة” بقيادة رضا بهلوي لا يعني عودة دولة قوية، بل إعادة إنتاج نموذج تابع، ضعيف السيادة، وظيفته إدارة الفراغ لا ملؤه، وتنفيذ الأجندة لا صياغتها.

التجربة التاريخية للشاه محمد رضا بهلوي تكشف بوضوح طبيعة هذا المشروع فقد تعامل مع دول الخليج من موقع الوصي لا الشريك، مستندًا إلى نظرية “شرطي الخليج” التي صاغتها إدارة نيكسون وكيسنجر، والتي منحت إيران دور القوة المهيمنة شرق السويس مقابل انسحاب بريطانيا، في تلك المرحلة لم تكن السعودية تُعامل كقوة إقليمية مكافئة بل كدولة نفطية يُدار أمنها ضمن تفاهم أميركي–إيراني ، واحتلال الجزر الإماراتية عام 1971 لم يكن استثناءً، بل تعبيرًا صريحًا عن عقلية ترى الجغرافيا العربية مجالًا حيويًا قابلًا للفرض حين تسمح موازين القوة.

غير أن الفارق اليوم أن إيران ما بعد خامنئي لن تعود قوية كما كانت في زمن الشاه، بل ستكون أضعف مما يتصوره أنصار “التغيير”. فالجمهورية الإسلامية رغم كل ما يُؤخذ عليها تمثل دولة ذات قرار مستقل، تمتلك أدوات ردع، ونفوذًا نابعًا من قدرتها على تعطيل المشاريع لا الخضوع لها أما إيران بهلوي الجديدة، إن وُلدت، فستكون دولة فاقدة للتماسك الداخلي منقسمة اجتماعيًا، مخترقة أمنيًا، تعتمد في بقائها على مظلة أميركية–إسرائيلية، ووفق منطق الواقعية كما يشرحها ستيفن والت ، فإن الدول التي تنشأ في ظل دعم خارجي كثيف لا تكون حليفًا متكافئًا، بل تابعًا وظيفيًا.

من هنا، فإن التحالف المتوقع بين إيران الجديدة وإسرائيل ليس تحالف مصالح بين قوتين، بل علاقة تبعية تُدار فيها طهران من بوابة تل أبيب ،،، إسرائيل التي راكمت تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا غير مسبوق ستجد في إيران الضعيفة فرصة تاريخية لتكريس نفسها كالدولة الإقليمية الوحيدة القادرة على القيادة ،، هذا ما يسميه بريجنسكي “الهيمنة عبر التفكيك”، حيث لا تُهزم الدول القوية مباشرة، بل يُسقط النظام الذي يمنحها الاستقلال، ويُستبدل بسلطة عاجزة تُدار من الخارج.

في هذا السيناريو، سيكون المستفيد الوحيد هو إسرائيل ومعها الولايات المتحدة، أما الدول العربية بما فيها السعودية والإمارات وقطر ومصر، فستخرج خاسرة استراتيجيًا، السعودية رغم قوتها الاقتصادية ورؤيتها التحولية، ستُحاصر بمحور أميركي–إسرائيلي–إيراني جديد يعيد تعريف الأمن الإقليمي من دونها، ويحوّلها من صانع توازن إلى طرف مُدار داخل منظومة أكبر ،، الإمارات ستُدفع نحو دور اقتصادي وظيفي منزوع القرار السياسي الإقليمي، وقطر ستفقد هامش المناورة الذي سمح لها تاريخيًا بلعب أدوار الوساطة، لأن الأنظمة الإقليمية الصلبة لا تعترف باللاعبين الصغار،، أما مصر فستبقى أسيرة أزماتها الداخلية، تُستدعى لضبط الاستقرار لا لصناعته.

العراق سيكون في قلب العاصفة، فبانهيار إيران كدولة متماسكة، سيخسر العراق عمقه الجيوسياسي الشرقي من دون أن يعوّضه باندماج عربي حقيقي، سيصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وقد يكون مرشحًا لسيناريو أخطر من مجرد الضعف وهو إعادة التفكيك أو التقسيم تحت عناوين كونفدرالية قسرية أو “إدارة تنوّع”. الأخطر أن الفوضى قد لا تتوقف عند العراق، بل تمتد إلى إيران نفسها، ما يفتح الباب أمام سيناريو تقسيم المقسّم، حيث تُعاد رسم الخرائط من فوق، لا من داخل المجتمعات.

في هذا الشرق الأوسط الجديد، لن تكون هناك قوى إقليمية متنافسة، بل قوة واحدة مهيمنة، هي إسرائيل، تدير شبكة من الدول الضعيفة، بعضها تابع، وبعضها خائف، وبعضها منزوع الإرادة،، هنا يتحقق تحذير هنري كيسنجر بأن أخطر لحظات النظام الدولي هي تلك التي يُزال فيها الخصم غير المرغوب من دون التفكير بمن سيملأ الفراغ، فإيران خامنئي رغم صداميتها، تُبقي على توازن صراعي يمنع الهيمنة المطلقة، أما إيران بهلوي الضعيفة فستفتح الباب أمام شرق أوسط أحادي القطب تُمحى فيه الأدوار العربية والإسلامية تدريجيًا.

الخلاصة أن إسقاط الجمهورية الإسلامية لا يعني ولادة شرق أوسط أكثر استقرارًا، بل بداية مرحلة يُعاد فيها توزيع القوة على حساب الجميع، باستثناء إسرائيل،، ليست المسألة دفاعًا عن خامنئي، بل تحذيرًا من وهم التغيير السهل. ففي السياسة الدولية، لا يُقاس الخطر بنوايا الأنظمة، بل بنتائج انهيارها. وحين تسقط دولة إقليمية مستقلة، لا يولد فراغ بريء، بل يولد سيد جديد.