نظام مير محمدي*
تُعدّ اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 ميثاقاً أخلاقياً وقانونياً عالمياً، يهدف إلى حماية القاصرين من العنف والاستغلال. ولكن، وفي مفارقة مأساوية، تحولت هذه الاتفاقية في إيران إلى مجرد ورقة يمزقها نظام الملالي يومياً. فبينما يشتعل فتيل الانتفاضة الشعبية في يناير 2026، اختار النظام استراتيجية أمنية بالغة القسوة: “اعتقال المستقبل” عبر تغييب مئات الأطفال والمراهقين في الزنازين.
ياسوج وهرسين: جغرافيا الإبادة السياسية للشباب
لم يكن استهداف المراهقين عفوياً، بل كشف عن خرائط قمع ممنهجة؛ إذ تصدرت مدينة ياسوج المشهد بـ 81 معتقلاً مراهقاً، نُقل 70 منهم فوراً إلى سجون “الإصلاح والتأهيل”، بينما يقبع 11 آخرون في معتقلات أمنية سرية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي مدينة هرسين (کرمانشاه)، وردت أنباء صادمة عن اعتقال ما لا يقل عن 100 طفل من طلاب المدارس، في حملة شعواء تهدف إلى ترهيب العائلات عبر استهداف فلذات أكبادهم.
أرقام تفضح لغة الرصاص
إن لغة الأرقام الموثقة من الميدان لا تدع مجالاً للشك في “عقيدة القمع” التي ينتهجها النظام ضد جيل ما تحت الـ 18 عاماً، وتوزيع الاعتقالات يظهر شمولية الجريمة:
• کهکیلوية وبوير أحمد: 46 طفلاً (أعلى نسبة استهداف مقارنة بالسكان).
• طهران والبرز: 35 مراهقاً تم زجهم في مراكز التأهيل.
• قُم: احتجاز نحو 200 مواطن مراهق دون الإعلان عن أسمائهم أو وضعهم القانوني.
• مازندران وکيلان: 17 حالة اعتقال استهدفت الطلاب المشاركين في المسيرات السلمية.
خرق المواثيق الدولية وسقوط المشروعية
قانونياً، يمثل احتجاز مئات القاصرين دون إبلاغ عائلاتهم انتهاكاً جسيماً للمادتين 37 و40 من اتفاقية حقوق الطفل. إن تحول المدارس والمستشفيات إلى ساحات للاعتقال، كما حدث مع إيليا أكوانيان (15 عاماً) وسها داوودي فر وبنيامين موسوي، هو “جناية ضد المستقبل” وتعدٍّ سافر على حق الحياة والنمو.
إن “المركز الإيراني لحقوق الإنسان” يدق ناقوس الخطر؛ فاستمرار احتجاز هؤلاء الأطفال ليس مجرد إجراء أمني، بل هو “هجوم ممنهج” يندرج ضمن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. إن نظاماً يرى في “المحفظة المدرسية” تهديداً لأمنه القومي، هو نظامٌ قد أعلن إفلاسه الأخلاقي بالكامل.
الخلاصة
إن نضال الشعب الإيراني اليوم، بمشاركة هذه الأجيال الصاعدة، يؤكد أن جدار الخوف قد انهار. وعلى العالم أن يدرك أن حماية هؤلاء الأطفال هي مسؤولية قانونية تقع على عاتق الأمم المتحدة. إن الحرية التي ينشدها هؤلاء الفتية بصدورهم العارية هي الغيث الذي سيغسل وجه إيران من دنس الاستبداد، ولن تستطيع جدران السجون حجب شمس التغيير القادمة.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني