فلسفة خروج المرأة المسلمة إلى العمل وأثره في البناء التربوي والأخلاقي للأسرة والمجتمع (المرأة العراقية أنموذجًا) – دراسة تحليلية نقدية من منظور ديني–اجتماعي –

محمد ابو النواعير

شهد المجتمع العراقي، شأنه شأن كثير من المجتمعات الإسلامية، تحولات عميقة في بنيته الاجتماعية والثقافية خلال العقود الأخيرة، كان من أبرز مظاهرها اتساع مشاركة المرأة في سوق العمل، سواء في الوظائف الحكومية أو في القطاع الخاص.

وقد رُوّج لهذا التحول غالبًا بوصفه مؤشرًا على “التقدم” و“التمكين” و“الاستقلال الاقتصادي”، دون أن يُرافق ذلك نقاش جاد وعميق حول الآثار التربوية والأخلاقية والنفسية المترتبة على هذا التحول، لا سيما في مجتمع محافظ، له خصوصيته الدينية والقيمية، مثل المجتمع العراقي.

تنطلق هذه الدراسة من قناعة فكرية وأخلاقية مفادها أن خروج المرأة المسلمة – والعراقية تحديدًا – إلى العمل لساعات طويلة خارج البيت لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أثره العميق في:

– تكوين الوعي التربوي والأخلاقي للأطفال،

– بنية الأسرة واستقرارها العاطفي،

– مفهوم الفطرة والحياء عند المرأة،

– طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجال العام،

– ومستقبل القيم الدينية والاجتماعية في المجتمع.

كما تطرح الدراسة نظرية تحليلية جديدة يمكن تسميتها بـ “نظرية المراحل الثلاث لترويض غيرة الرجل العراقي”، بوصفها تفسيرًا اجتماعيًا لمسار تطبيع خروج المرأة إلى سوق العمل، وصولًا إلى مرحلة يُتوقّع أن تكون الأخطر.

أولًا: المرأة بين الدور الفطري والدور الوظيفي

تنطلق الرؤية الدينية الإسلامية من أن المرأة هي ليست مجرد فرد منتج اقتصاديًا، بل هي:

– الأم،

– والمربية،

– والحاضنة العاطفية،

– والركيزة الأساسية في بناء الجيل نفسيًا وأخلاقيًا.

وقد حمّلتها الشريعة الإسلامية – بنصوصها وروحها – مسؤولية مركزية في صناعة الإنسان، لا بوصفها “مراقبًا” على الطفل، بل بوصفها مكوِّنًا وجدانيًا وأخلاقيًا لشخصيته.

إن انشغال المرأة بالعمل خارج البيت لأكثر من 9 ساعات يوميًا (تشمل ساعات العمل، والمواصلات، والاستنزاف الجسدي والنفسي) يؤدي عمليًا إلى:

– انقطاع سلسلة التواصل العاطفي بين الأم والطفل،

– تحوّل الأم من “مربية فاعلة” إلى “مشرفة عامة” أو “مزودة احتياجات مادية”،

– إضعاف الدور التربوي المباشر الذي لا يمكن تعويضه بالمدرسة أو الحضانة أو الخادمة.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والملبس، بل إلى الحضور العاطفي المستمر، والاحتكاك الوجداني اليومي، وهو ما لا يمكن توفيره في ظل غياب الأم لساعات طويلة.

ثانيًا: أثر غياب الأم العاملة في التكوين النفسي والأخلاقي للأطفال

تشير التجربة الاجتماعية (حتى قبل الدراسات الأكاديمية) إلى أن:

الطفل الذي ينشأ في ظل أم مرهقة، غائبة أغلب اليوم، يتلقى التربية من مصادر بديلة (الشارع، الإنترنت، التلفاز، الأقران)،

يكون أكثر عرضة للاضطراب السلوكي، وضعف الضبط الأخلاقي.

إن العمل الوظيفي الطويل يفرض على الأم نمط حياة قاسيًا:

– إرهاق دائم،

– توتر عصبي،

– ضعف الصبر،

– فتور عاطفي غير مقصود تجاه الأبناء.

وبذلك تتحول الأسرة من “بيئة تربية” إلى “وحدة إدارية لإدارة الوقت”، ويخسر الطفل أهم عنصر في توازنه النفسي، وهو الأم المتفرغة وجدانيًا.

ثالثًا: العمل وكسر الفطرة وتحطيم عنصر الحياء

من المنظور الديني والأخلاقي الذي تنطلق منه هذه الدراسة، فإن الحياء ليس قيدًا اجتماعيًا، بل هو عنصر فطري أصيل في تكوين المرأة، يحفظ توازنها النفسي، ويصون علاقتها بذاتها وبالآخرين، بحسب الحدود والاشتراطات التي رسمتها لها الشريعة الاسلامية.

إن الاختلاط اليومي المستمر بالرجال الأجانب (بحسب التعبير الشرعي)، وما يرافقه من:

– احتكاك مباشر،

– أحاديث جانبية،

– نظرات،

– مزاح،

– بيئة عمل لا تُراعي الخصوصية الأخلاقية،

يؤدي تدريجيًا إلى:

– تآكل عنصر الحياء،

– تطبيع أنماط سلوكية لم تكن مقبولة سابقًا،

– إعادة تعريف “الطبيعي” و“غير الطبيعي” في وعي المرأة.

ولا يُقصد بذلك اتهام المرأة بسوء النية، بل التأكيد على أن البيئة تصنع السلوك، وأن التكرار اليومي يقتل الحساسية الأخلاقية بالتدريج.

رابعًا: المرأة والارتباط الوجداني داخل بيئة العمل:

تنطلق هذه الدراسة من فهم واقعي لطبيعة المرأة النفسية، التي تمتلك:

– مخزونًا عاطفيًا كبيرًا،

– قابلية عالية للتأثر الوجداني،

– حساسية تجاه الشكل، والاهتمام، واللغة الناعمة.

وفي بيئات العمل المختلطة، حيث يوجد:

رجال يتمتعون بالأناقة،

اللياقة الجسدية،

الثقة بالنفس

الخطاب اللطيف،

قد يتحول بعض هؤلاء – دون قصد مباشر – إلى نماذج وجدانية داخل شعور المرأة، خصوصًا إذا كانت:

تعاني من فتور عاطفي في بيتها، أو من ضغط نفسي مستمر.

وهنا تكمن الخطورة:

ليس بالضرورة أن يكون الانجذاب سلوكيًا ظاهرًا، بل يكفي أن يكون وجدانيًا داخليًا، بحيث تُقارن المرأة – في لا وعيها – بين زوجها وشريك حياتها، وبين نماذج يومية تراها في العمل.

خامسًا: نظرية المراحل الثلاث لترويض غيرة الرجل العراقي

تقدّم هذه الدراسة طرحًا تحليليًا يمكن اعتباره إسهامًا فكريًا (جديدًا)، يتمثل في تفسير مسار خروج المرأة إلى العمل عبر ثلاث مراحل من ترويض غيرة الرجل(العراقي تحديدا):

المرحلة الأولى: الترويض عبر الدعوة للتعليم.

ففي مرحلة سابقة، كان خروج الفتاة من البيت مرفوضًا اجتماعيًا، حفاظًا على سترها وعفتها.

ثم جرى تليين هذا الموقف عبر خطاب:

التعليم،

التنوير،

بناء الوعي،

وقد ساهمت – للأسف – بعض المنابر الدينية في دعم هذا الطرح دون وعي بمآلاته المستقبلية.

المرحلة الثانية: الترويض عبر الوظيفة الحكومية.

بعد التعليم، قُدِّم خطاب جديد:

“درست وتعبت، فكيف تجلس في البيت؟”

وجرى تسويق الوظيفة الحكومية بوصفها:

– آمنة أخلاقيًا،

– منضبطة إداريًا،

– خاضعة لرقابة الدولة.

فتم إقناع الرجل العراقي بأن لا خطر على شرف المرأة في هذا النمط من العمل.

المرحلة الثالثة – المستقبلية(المتوقعة): الترويض عبر القطاع الخاص.

تتنبأ هذه الدراسة بمرحلة ثالثة أخطر، في ظل:

– تخمة الخريجات،

– توقف التعيينات الحكومية،

– التحول المتوقع نحو اقتصاد رأسمالي خاص.

ومكمن الخطورة في النقطة الاخيرة، حيث يذكر بعض المختصين بفلسفة الاقتصاد، ان العامل والموظف في القطاع الرأسمالي الخاص، يتحول الى عبد قن، مملوك لصاحب العمل، يملي عليه ما يشاء من الاشتراطات، وليس للموظف الا القبول بها، او الرفض.

في هذا السياق، ستصبح المرأة الموظفة في القطاع الخاص:

– خاضعة لسلطة صاحب رأس المال،

– مهددة بالطرد في أي لحظة،

– مجبرة على:

– نمط لباس معين،

– سلوك منفتح مع الزبائن،

– تجاوز حدود الحياء بدعوى “متطلبات العمل”. !

وهنا تتحقق أخطر صور الترويض:

إجبار الرجل على القبول بخروج زوجته أو ابنته أو أخته إلى بيئات عمل لا يملك السيطرة عليها، رغم كل المحاذير الأخلاقية.

سادسًا: بين الإيجابيات المحدودة والمفاسد الواسعة

لا تنكر هذه الدراسة وجود إيجابية محدودة لخروج بعض النساء إلى العمل، خاصة:

من لا معيل لهن، ومن تأخر زواجهن،

ومن يحتجن إلى مصدر دخل يحميهن من الانحراف.

غير أن هذه الإيجابية تبقى استثنائية، ولا يمكن تعميمها لتبرير السلبيات التي تحيط بمفهوم اخراج المرأة  للعمل والتي منها واخطرها:  تفكيك الدور التربوي للأم،

وإضعاف الأسرة، وتعريض المرأة لضغوط أخلاقية ونفسية هائلة، وتطبيع بيئات عمل تتناقض مع الفطرة الدينية.

خاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن خروج المرأة المسلمة – والعراقية خصوصًا – إلى العمل لساعات طويلة ليس مسألة اقتصادية محايدة، بل قضية تربوية وأخلاقية وحضارية، تمس جوهر الأسرة والمجتمع.

ونؤكد في هذه الدراسة أن أخطر ما في المسار الحالي ليس الواقع القائم، بل المآلات القادمة، خاصة في ظل التحول نحو القطاع الخاص، حيث تُختزل المرأة إلى أداة إنتاج، وتُفرغ من دورها الفطري، وتُستنزف عاطفيًا وأخلاقيًا.

ومن هنا، تدعو الدراسة إلى إعادة فتح هذا الملف بجرأة فكرية وأمانة دينية، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من حقيقة الإنسان والأسرة والمجتمع.

  د. محمد أبو النواعير.

دكتوراه في النظرية السياسية/  المدرسة السلوكية الامريكية المعاصرة في السياسة