السياسات الضريبية القسرية… فشل الإدارة المالية وصمت المجتمع

حسن درباش العامري

هذا المقال يندرج ضمن النقد السياسي “والاقتصادي السلمي، ولا يدعو إلى العنف أو مخالفة القانون، وإنما يعبّر عن قراءة تحليلية لسياسات مالية أثّرت بشكل مباشر على حياة “المواطنين.

يبدو واضحًا أن ما يتعرض له المواطن العراقي اليوم من توسّع غير مسبوق في فرض الضرائب والرسوم لم يعد إجراءً ماليًا مؤقتًا، بل تحوّل إلى نهج ثابت يعكس اختلالًا عميقًا في إدارة الدولة للملف الاقتصادي، وتراجعًا عمليًا عن جملة الوعود التي رفعتها القوى السياسية بعد عام 2003 تحت عنوان بناء دولة ديمقراطية ومؤسسات خادمة للمجتمع.

فالنظام السياسي الذي تشكّل بعد ذلك التاريخ لم ينجح، مع مرور الوقت، في إنتاج نموذج حوكمة رشيد، بل اتجه تدريجيًا نحو منظومة حكم حزبية معقّدة، تتقاسم فيها الكتل النفوذ والقرار، بينما تراجعت أولويات المواطن المعيشية والخدمية لصالح صراعات السلطة وتوازنات المصالح.

ومع تراكم الإخفاقات، وغياب التخطيط الاقتصادي طويل الأمد، لجأت الحكومات المتعاقبة إلى نهج مالي قسري، تمثّل في تحميل المواطن كلفة العجز وسوء الإدارة، عبر مضاعفة الرسوم والضرائب، دون تحقيق عدالة ضريبية حقيقية، أو توفير شبكة حماية اجتماعية تراعي واقع الفئات محدودة الدخل.

ولا يمكن فصل هذه السياسات عن فشل السياسة المالية العامة، ولا عن أسلوب إدارة الإنفاق الحكومي، حيث صُرفت مبالغ ضخمة تحت عناوين مشاريع البنى التحتية، كالجسور والشوارع، بكلف لا تتناسب في كثير من الأحيان مع حجم الإنجاز أو جودته. مشاريع أُحيلت بموازنات مرتفعة، وأعمال أُعيد تنفيذها دون تقييم مهني أو مساءلة رقابية فعالة، ما يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة إدارة المال العام وأولويات الصرف.

لكن الإشكالية لا تقف عند حدود الأداء الحكومي وحده، بل تمتد لتشمل ضعف الموقفين السياسي والمجتمعي تجاه هذا النهج.

فالمواطن، بفعل الإحباط وتراكم الخيبات، انكفأ إلى مساحة الصمت والتذمر، دون تحويل اعتراضه إلى مسارات قانونية أو ضغط مدني منظم، ما أسهم – من حيث لا يشعر – في توفير بيئة مريحة لاستمرار هذه السياسات دون مراجعة جادة.

أما القوى السياسية، فقد توزعت مواقفها بين شراكة صامتة، ومعارضة خطابية محدودة التأثير، دون أن ينعكس ذلك في أدوات دستورية فاعلة كالمساءلة البرلمانية أو المحاسبة المالية، وهو ما عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

تساؤل لم يعد ممكنًا تجاهله

وفي خضم هذا المشهد، يبرز تساؤل حساس لكنه مشروع، طالما جرى تأجيله أو الالتفاف عليه بدوافع سياسية وأمنية، وهو:

هل أخفقت المنظومة السياسية الشيعية، بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا في إدارة الدولة خلال السنوات الماضية، في قيادة البلاد نحو بناء دولة مؤسسات حقيقية تخدم المواطن قبل الحزب؟

ويُطرح هذا السؤال من باب المسؤولية السياسية المرتبطة بحجم النفوذ والقرار، لا من زاوية الاستهداف أو التصنيف الطائفي. فقد دأبت هذه المنظومة، لسنوات طويلة، على تبرير إخفاقاتها بتحديات جسيمة، في مقدمتها الإرهاب وتنظيم داعش، وما رافقهما من ظروف استثنائية وأولويات أمنية.

غير أن تراجع تلك التحديات، وانتهاء المرحلة التي كانت تُقدَّم بوصفها مبررًا لتعليق الإصلاح، يفرض اليوم إعادة تقييم صريحة:

هل ما زالت تلك الذرائع قائمة؟ أم أن استمرار الأزمات الخدمية والمالية، وازدياد العبء الضريبي على المواطن، يكشف عن أزمة إدارة أعمق تتجاوز شماعة الظروف الاستثنائية؟

إن طرح هذا التساؤل لا يهدف إلى إصدار أحكام نهائية، بل يسعى إلى فتح نقاش وطني مسؤول حول حصيلة تجربة الحكم، ومعايير النجاح والفشل، وحدود المشروعية السياسية التي ينبغي أن تستند إلى الأداء والإنجاز، لا إلى التاريخ أو الخطاب.

وهكذا، يجد المواطن نفسه في حلقة مغلقة:

إنفاق عام غير منضبط، يعقبه فرض أعباء مالية جديدة، ثم دعوات للصبر باسم الاستقرار.

وهي معادلة لا يمكن أن تنتج دولة مؤسسات، ولا أن تعزز الثقة بين الحاكم والمحكوم.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الجباية، بل من إدارة عادلة وشفافة للموارد، ومحاسبة فعلية للمقصرين، ومشاركة مجتمعية واعية. وما لم يُكسر هذا النمط، ستبقى الضرائب أداة ضغط، وسيبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الحكم.

وسيكون لهذا الملف امتداد تحليلي في مقالات لاحقة، تتناول بشكل أعمق بنية القرار السياسي، وتجربة الحكم (الشيعيه)، وعلاقة السلطة بالهوية والمسؤولية، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الوقائع.

الكاتب والخبير السياسي: حسن درباش العامري

بغداد ٢٠٢٦/١/٨