لماذا لا نتغيّر؟

رياض الفرطوسي

التاريخ لا يعاقب الشعوب بالزلازل وحدها، بل يعاقبها أيضاً بالتكرار. وحين تفشل أمة في التعلّم من جراحها، تتحوّل الكارثة من حدث عابر إلى نظام حياة. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: لماذا لم يحدث شيء بعد كل ما حدث؟

في أماكن كثيرة من العالم، كانت الصدمة مدخلًا لإعادة التفكير. الحروب الكبرى، الانهيارات الاقتصادية، والكوارث الطبيعية لم تُنتج فقط خطط إعمار، بل أنتجت أسئلة جديدة عن الإنسان، والمعنى، ودور الثقافة في حماية المجتمع من تكرار السقوط. الأدب والفكر لم يكونا ترفاً هناك، بل أدوات إنقاذ.

الروائي الألماني إريك ماريا ريمارك، الذي عاش أهوال الحرب العالمية الأولى وكتب عنها بواقعية قاسية، لم ينظر إلى الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، بل باعتبارها عملية تدمير بطيئة للروابط الإنسانية: اللغة، الصداقة، والثقة بين البشر. كان يرى أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما ينجو الجسد، بينما ينهار الوجدان.

الفكرة نفسها نجدها في الأدب الياباني المعاصر. في كتاب “ما بعد الزلزال”، يلتقط هاروكي موراكامي أثر زلزال (كوبي) لا في الشوارع، بل في النفوس. شخصياته تبدو سليمة من الخارج، لكنها تعيش تصدّعات داخلية عميقة. الكارثة هنا ليست ما سقط، بل ما لم يعد قابلًا للترميم في الداخل.

لكن ماذا عن مجتمعات تتعرض لصدمات متتالية، لا لعشر ثوانٍ، بل لعقود؟

ماذا يحدث حين تصبح الحرب حالة اعتيادية، والدم مشهداً يومياً، والانهيار خبراً مكرراً لا يثير الدهشة؟

في هذه الحالة، لا يحدث التغيير تلقائياً. على العكس، ينشأ نوع من التأقلم المرضي مع الخراب. يتعلم الناس كيف يعيشون داخل الأزمة بدل التفكير في الخروج منها. ومع الوقت، يتحول هذا التأقلم إلى ثقافة عامة، ترفض أي محاولة للمراجعة، وتعتبر السؤال تهديداً للاستقرار الهش.

هنا تبرز فكرة الطغيان بوصفه بنية، لا شخصاً. الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لا بويسي لفت النظر مبكراً إلى أن الاستبداد لا يستمر بالقوة وحدها، بل بقبول الناس له، أو بتكيّفهم معه. فالسلطة قد تأتي عبر الانتخاب، أو السلاح، أو الوراثة، لكن استمرارها يعتمد على شيء أخطر: أن يتعامل المجتمع معها كأمر طبيعي، لا كاستثناء.

عندما تُدار السياسة كإرث، وتُدار الثقافة كامتياز، وتُدار العدالة كخدمة انتقائية، لا يعود التغيير أولوية. يتشكل جيل يرى العالم كما هو، لا كما يمكن أن يكون. جيل لا يسأل: لماذا؟ بل يسأل فقط: كيف ننجو؟

وفي عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة مذهلة — من التكنولوجيا إلى أنماط العيش — نبقى نحن أسرى النسخة نفسها من العقل العام. تتبدل الأدوات، لكن طريقة التفكير لا تتبدل. نستهلك الجديد، لكننا نفكر بالقديم. نستخدم أحدث الأجهزة بعقلٍ مُدرَّب على التكرار لا على الاكتشاف.

من هنا، لا يكون غريباً أن نشهد وفرة في “أجيال الأشياء” وندرة في “أجيال الأفكار”. أن يتجدد السوق ولا تتجدد الثقافة. أن يظهر لاعبون جدد في العنف والفساد، بينما يغيب المفكر القادر على تفكيك هذا الواقع أو تخيّل بديل له.

اللغة، التي يُفترض أن تكون مختبر الأفكار، تتحول إلى مستودع عبارات مستهلكة. كلمات كبيرة تُستخدم بلا مضمون، وشعارات تُكرَّر حتى تفقد قدرتها على الإقناع أو الإزعاج. وعندما تفقد اللغة قدرتها على الإزعاج، تفقد وظيفتها الأساسية.

المشكلة، إذن، ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب البيئة التي تسمح لها بالظهور. ليست في نقص العقول، بل في نظام لا يكافئ التفكير، ولا يحتمل النقد، ولا يرى في الثقافة سوى زينة أو خطر محتمل.

لماذا لا نتغيّر؟

لأن التغيير يبدأ من الاعتراف بأن ما نحن فيه ليس طبيعياً.

لأنه يبدأ من كسر العلاقة الآلية مع الماضي، دون قطيعة، ودون تقديس.

لأنه يحتاج شجاعة ذهنية قبل أي شجاعة أخرى.

التغيير لا يولد من الصراخ، بل من الوعي.

ولا يبدأ من الشارع فقط، بل من اللغة، ومن التعليم، ومن السؤال الذي نجرؤ أخيراً على طرحه دون خوف.

وحين يصبح السؤال مسموحاً،

لن يكون التغيير معجزة،

بل نتيجة.