قاعدة الحرير الجوية قرب أربيل – صورة أرشيفية من روداو
إيهاب مقبل
شهدت أربيل مؤخرًا سلسلة هجمات وتصعيدًا أمنيًا متلاحقًا، أعاد المدينة بقوة إلى واجهة الأحداث الإقليمية، وطرح تساؤلات خطيرة حول أسباب هذا التركيز المفاجئ والمتكرر عليها. فالتصعيد لم يعد حادثًا معزولًا، بل مؤشرًا واضحًا على أن أربيل باتت تُعامل كجزء من مسرح العمليات في الصراع المفتوح بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. في قلب هذا المشهد، تبرز قاعدة حرير الجوية كأحد أبرز العوامل التي تفسر لماذا أصبحت أربيل هدفًا مباشرًا ومتقدمًا في هذه المواجهة.
قاعدة حرير: من موقع عسكري إلى عقدة صراع إقليمي
قاعدة حرير، التي تقع شمال شرق أربيل وتبعد حوالي 120 كيلومترًا عن الحدود الإيرانية الجنوبية، لم تعد مجرد موقع عسكري عابر، بل تحولت فعليًا إلى أحد أخطر مفاصل الصراع الإقليمي الدائر، وبوابة مفتوحة لزجّ إقليم كردستان، وربما العراق بأكمله، في قلب العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران.
الوجود الأمريكي في القاعدة يتضمن قوات برية وجوية متقدمة، إلى جانب معدات لوجستية واستخباراتية، ويضم مئات الجنود الأمريكيين ضمن نشاط مستمر للرصد الجوي والتنسيق العملياتي مع قواعد أخرى في العراق والمنطقة.
تعد قاعدة حرير في أربيل، كردستان العراق، مركزًا حيويًا للتحالف بقيادة أمريكا الشمالية، لتدريب قوات البشمركة، وإجراء المراقبة. وهي تخضع حاليًا للتوسع لاستيعاب المزيد من الطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ المتقدمة، لتكون بمثابة نقطة استراتيجية للمراقبة الإقليمية.
تشهد القاعدة توسعات تشمل مدارج مطورة للطائرات المقاتلة، وأنظمة صاروخية جديدة، ومهابط طائرات هليكوبتر موسعة، بهدف تحويلها إلى قاعدة إقليمية كبرى.
استضافت القاعدة طائرات متخصصة، بما في ذلك فوج طيران العمليات الخاصة رقم 160 التابع للجيش الأمريكي (المحمولة جواً) من طراز MH-47G Chinook وطائرات الهليكوبتر MH-60M Black Hawk، ما يعكس أهميتها في دعم العمليات الخاصة ومراقبة الوضع الإقليمي.
دور قاعدة حرير في العدوان على إيران
في سياق العدوان الأمريكي–الإسرائيلي الأخير على إيران، لم تعد قاعدة حرير موقعًا محايدًا أو ثانويًا، بل أصبحت حلقة أساسية في منظومة الضغط العسكري غير المباشر على طهران. مساهمتها في جمع المعلومات وتوفير الغطاء التقني تجعلها شريكًا فعليًا في المعركة، وتوضح لماذا تعتبرها طهران هدفًا استراتيجيًا.
لماذا التركيز على حرير أكثر من غيرها في العراق؟
التركيز على قاعدة حرير يعود لعدة عوامل استراتيجية مهمة. أولاً، قرب القاعدة من الحدود الإيرانية الجنوبية يتيح إجراء عمليات رصد ومراقبة دقيقة على إيران، بما في ذلك نقل المعلومات حول مواقع الصواريخ والمنشآت العسكرية الحساسة. ثانيًا، التوسعات الحديثة للقاعدة جعلتها منصة جوية متقدمة يمكن من خلالها إطلاق أو دعم ضربات غير مباشرة دون الحاجة لوجود مباشر في مناطق أخرى من العراق. ثالثًا، أربيل والإقليم يتمتعان بهوامش سياسية وأمنية أكبر للوجود الأمريكي مقارنة بمناطق أخرى من العراق، ما يمنح التحالف مرونة أكبر في استخدام القاعدة كمنصة ضغط.
أربيل في قلب الاستنزاف: مخاطر الانزلاق إلى ساحة مفتوحة
استمرار استخدام قاعدة حرير في هذا السياق يضع إقليم كردستان في موقع الاشتباك المباشر. فالصواريخ والطائرات المسيّرة لا تميز بين “قرار الإقليم” و”قرار واشنطن”، بل تتعامل مع الوقائع الميدانية كما هي. كلما تعمق الدور العملياتي للقاعدة، زادت احتمالات تحويل أربيل إلى ساحة ضغط واستنزاف متكررة، ضمن حرب طويلة النفس لا تبحث عن حسم سريع، بل عن كلفة مستدامة.
السيناريوهات المحتملة لقاعدة حرير وأربيل
الوضع في أربيل والقاعدة قابل لتطورات متعددة في المرحلة المقبلة:
1. التصعيد المحدود: ضربات متقطعة أو تحذيرية على القاعدة أو محيطها، تهدف لإرسال رسالة ردع دون إشعال مواجهة شاملة، مع استمرار الدور العملياتي الأمريكي في القاعدة.
2. الحرب غير المعلنة: استمرار استخدام القاعدة كمركز لعمليات المراقبة والدعم اللوجستي والضربات غير المباشرة، ما يحول أربيل إلى ساحة استنزاف مستمرة مع احتمال تصاعد الخطر المدني.
3. تصعيد مفتوح: في حال قررت إيران الرد بقوة، قد تتعرض أربيل لهجمات مكثفة بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، ما يزيد من احتمالات تحويل الإقليم إلى جبهة ساخنة ضمن حرب إقليمية أطول.
أولوية المرحلة: سلامة المدنيين قبل أي حسابات
في خضم هذا التصعيد الخطير، يجب التأكيد أن الأولوية المطلقة في هذه المرحلة الحساسة هي سلامة المدنيين في إقليم كردستان. المواطنين في أربيل ودهوك والسليمانية ليسوا طرفًا في هذا الصراع، وأي تجاهل لمخاطر الزج بالإقليم في دائرة النار يعني تعريض حياتهم للخطر المباشر، وفتح الباب أمام كلفة إنسانية لا يمكن تبريرها سياسيًا أو أخلاقيًا.
مسؤولية حكومة إقليم كردستان: قرار سيادي أم استمرار المراوحة؟
هنا تبرز مسؤولية حكومة إقليم كردستان بوصفها مسؤولية سياسية وأخلاقية قبل أن تكون أمنية. المطلوب قرار سياسي واضح يمنع استخدام أراضي الإقليم كمنصة للاعتداء على دول الجوار، ويعيد تعريف طبيعة الوجود العسكري الأجنبي بما ينسجم مع الدستور العراقي ومبدأ السيادة.
الخلاصة: أربيل أمام مفترق طرق
لم تعد قاعدة حرير قضية عسكرية تقنية، بل أصبحت مسألة سيادة وخيار سياسي. إما أن تتحرك حكومة الإقليم، بالتنسيق مع بغداد، لتحييد أربيل وإبعادها عن خطوط النار، أو أن تبقى المدينة رهينة حسابات أمريكية لا تأخذ أمنها ولا استقرار سكانها في الحسبان، وتتركها مكشوفة في واحدة من أخطر مراحل الصراع الإقليمي الحديث.
فيديوهات ذات صلة:
انتهى