✍️ : خالد الغريباوي
المفاوضات الجارية بين سوريا وإسرائيل في باريس برعاية أميركية لا يمكن قراءتها بوصفها مسارًا تقنيًا لترتيبات أمنية حدودية فحسب، بل باعتبارها حلقة في إعادة هندسة التوازنات الإقليمية بعد انهيار مركز الدولة السورية وصعود منطق الصفقات بدل الحلول الشاملة، جوهر هذه المفاوضات يقوم على معادلة واضحة: أمن إسرائيل أولًا، واستقرار هشّ لجنوب سوريا مقابل ضبط دمشق لسلوكها الإقليمي والداخلي، وهو ما يفتح الباب أمام مقايضات مؤلمة، ليس على مستوى الجغرافيا فقط، بل على مستوى البنية السياسية والاجتماعية للدولة السورية نفسها، في هذا السياق تتحول الدولة السورية من طرف يفاوض على استعادة السيادة، إلى طرف يسعى لتثبيت بقائه ومنع تفككه حتى لو كان الثمن إعادة تعريف علاقته بمكوناته الداخلية، وفي مقدمتها المكون الكردي.
الولايات المتحدة تدير هذا المسار بعقلية إدارة الصراع لا حله، فهي لا تضغط باتجاه اتفاق سلام يعيد الجولان أو يفرض انسحابًا إسرائيليًا من القنيطرة وجبل الشيخ، بل تعمل على إنشاء آليات تنسيق أمني واستخباري طويلة الأمد تضمن لإسرائيل حدودًا هادئة، وتمنع أي عودة لتهديدات غير تقليدية من الجنوب السوري، هنا يصبح جنوب سوريا ملفًا أمنيًا خالصًا، فيما يُرحَّل ملف السيادة إلى أجل غير مسمى، تمامًا كما حصل في تجارب إقليمية سابقة حيث جرى تجميد القضايا الجوهرية مقابل استقرار مؤقت، هذا المنطق يخلق فراغًا سياسيًا تسعى قوى إقليمية لملئه، وفي مقدمتها تركيا، التي انتقلت من موقع المراقب القَلِق إلى لاعب مباشر في إعادة صياغة الداخل السوري.
الدور التركي في هذه المرحلة لا ينفصل عن مسار مفاوضات باريس، حتى لو لم يكن معلنًا على طاولة التفاوض، أنقرة تنظر إلى أي تفاهم سوري–إسرائيلي برعاية أميركية من زاوية واحدة: هل يساهم في تحجيم المشروع الكردي أم لا، ومن هذه الزاوية، تجد تركيا نفسها في تقاطع مصالح نادر مع دمشق وواشنطن في آن واحد، دمشق تريد إعادة بسط السلطة المركزية وإنهاء أي شكل من أشكال الحكم الذاتي، وتركيا تريد سحق أي كيان كردي على حدودها، والولايات المتحدة مستعدة للتضحية بحلفاء ظرفيين إذا كان ذلك يخدم استقرارًا أوسع وأمن إسرائيل. هذه المصالح المتقاطعة تجعل من “تحجيم الكورد” بندًا غير مكتوب لكنه فعّال في الصفقة الإقليمية الجارية.
قوات سوريا الديمقراطية، التي شكّلت خلال سنوات الحرب لاعبًا محوريًا بدعم أميركي، تجد نفسها اليوم أمام تراجع واضح في قيمتها الوظيفية، فمع تراجع أولوية محاربة داعش وصعود أولوية إعادة ترتيب الدولة السورية ومنع التصعيد مع إسرائيل وتركيا، يصبح دمج قسد أو تفكيكها هدفًا مشتركًا لعدة أطراف، دمشق مستعدة لتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل في الجنوب مقابل ضوء أخضر أميركي–تركي لإعادة السيطرة على الشمال الشرقي، وتركيا ترى في ذلك فرصة تاريخية لإنهاء أي امتداد استراتيجي لحزب العمال الكردستاني عبر الحدود، هكذا يتحول الكرد في سوريا من شريك مرحلي في الحرب على الإرهاب إلى عبء تفاوضي يمكن المقايضة به.
ارتدادات هذا المسار لا تتوقف عند الحدود السورية، بل تمتد مباشرة إلى كورد العراق، فنجاح نموذج تحجيم الكرد في سوريا، سواء عبر الدمج القسري أو التفكيك السياسي، سيُستخدم كسابقة إقليمية للضغط على التجربة الكردية العراقية مستقبلاً، تركيا ستتعامل مع أي تراجع كردي في سوريا كدليل على إمكانية فرض معادلات أمنية جديدة في شمال العراق، سواء عبر توسيع عملياتها العسكرية أو عبر فرض شروط سياسية على بغداد وأربيل، في الوقت نفسه ستجد القوى الكردية العراقية نفسها أمام بيئة إقليمية أقل تسامحًا مع فكرة الحكم الذاتي وأكثر ميلًا لاعتبارها ملفًا أمنيًا قابلًا للضبط لا حقًا سياسيًا مكتسبًا.