السيد المسيح عليه السلام (يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك) (ح 4)

د. فاضل حسن شريف

ان العلاقة بين اللّه تعالى و عيسى عليه السّلام تحدث عنها القرآن أولها صفة العبودية “قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا” (مريم 30)، و العبودية المطلقة تشتمل”إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‌ والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى‌ بِإِذْنِي وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ‌” (المائدة 110) و مسلّما عليه من قبل اللّه تعالى “وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا” (مريم 23).

ولا غرابة ان يختار الله انبياء واولياء يتكلمون وهم اطفال وصبيان”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا” (المائدة 110)، وهكذا تكلم الامام الجواد عليه السلام وعمره ثلاثة ايام، وكذلك يعلمون الناس وهم اطفال وصبيان فقد اوتي يحيى عليه السلام الحكم صبيا”يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا” (مريم 12) وكما حصل للامام الحجة عجل الله فرجه عندما تولى الامامة وهو في صباه.
قال الإمام الرضا في مولد الامام الجواد عليهما السلام (قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق اليحار، وشبيه عيسى بن مريم) حيث كان معجزة وشيئا خارج القوانين الطبيعية. عن السيدة حكيمة أنها قالت لما ولد امامنا الجواد قال لها امامنا الرضا عليهما السلام يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلمّا كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فقمت ذعرة فزعة فأتيت أبا الحسن عليه السلام، فقلت: سمعت من هذا الصبي عجباً. ولا غرابة ان يختار الله انبياء واولياء يتكلمون وهم أطفال وصبيان”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا” (المائدة 110).

والنعمة تتطلب الذكر والشكر”اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ” (البقرة 40) (البقرة 47) (البقرة 122)، وكما جاء ايضا في ايات اخرى”وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (المائدة 7) و”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (المائدة 11) و”يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (المائدة 20) و”اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ” (المائدة 110)، و”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (فاطر 3).

لا يكتمل الايمان الا بالايمان بولاية علي عليه السلام”إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ” (المائدة 55) انما اداة حصر حيث اجمع المفسرون انها نزلت بالامام علي عليه السلام. الولاية يعني الهداية. والولاية على نوعين تكوينية وتشريعية. فالولاية التكوينية لها امثلة في القرآن الكريم منها قصة موسى عليه السلام مع فرعون” قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ” (طه 49-50) اي الخلق ثم الهداية. أما الولاية التشريعية في ولاية الرسل أي طاعتهم”وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” (الحشر 7) وبالتالي إنكار القائم هو إنكار للرسول وبالتبعية إنكار ولاية الله. ووردت الولاية التشريعة لعيسى عليه السلام”وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ” (المائدة 110) حيث ان اعمال الانبياء والاولياء لا تتم الا باذن الله.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “إذ أيدتك بروح القدس” (المائدة 110) لقد بحثنا معنى”روح القدس” وأحد الاحتمالات المقصودة هو أنه إشارة إلى ملك الوحي، جبرائيل، والاحتمال الآخر هو تلك القوة الغيبية التي كانت تعين عيسى على إظهار المعجزات وعلى تحقيق رسالته المهمة، وهذا المعنى موجود في غير الأنبياء أيضا بدرجة أضعف. ما هو روح القدس؟ للمفسرين آراء مختلفة في معنى روح القدس: 1 – قالوا إنه جبرائيل، فيكون معنى الآية على هذا إن الله أيد عيسى بجبرائيل. وشاهدهم على ذلك قوله تعالى: قل نزله روح القدس من ربك بالحق” (النحل 102) ووجه تسمية جبرائيل بروح القدس، هو أن جبرائيل ملك، والجانب الروحي في الملائكة أمر واضح، وإطلاق كلمة ” الروح” عليهم متناسب مع طبيعتهم، وإضافة الروح إلى”القدس” إشارة إلى طهر هذا الملك وقداسته الفائقة. 2 – وقيل: إن”روح القدس” هو القوة الغيبية التي أيدت عيسى عليه السلام، وبهذه القوة الخفية الإلهية كان عيسى يحيي الموتى. هذه القوة الغيبية موجودة طبعا بشكل أضعف في جميع المؤمنين على اختلاف درجة إيمانهم. وهذا الإمداد الإلهي هو الذي يعين الإنسان في أداء الطاعات وتحمل الصعاب، ويقيه من السقوط في الذنوب والزلات. من هنا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله لحسان: (لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنا) وقول بعض أئمة أهل البيت لشاعر قرأ أبياتا ملتزمة: (إنما نفث روح القدس على لسانك). 3 – ومن المفسرين من قال إن روح القدس هو”الإنجيل” ويبدو أن التفسيرين السابقين أقرب إلى المعنى. مفهوم”روح القدس” لدى المسيحيين ورد في قاموس الكتاب المقدس: (إن روح القدس هو الأقنوم الثالث من الأقانيم الثلاثة الإلهية. ويقال له (الروح)، لأنه مبدع الحياة، ويسمى مقدسا لأن من أعماله تقديس قلوب المؤمنين، ولما له من علاقة بالله والمسيح يسمى أيضا (روح الله) و (روح المسيح)). وورد أيضا في هذه القاموس تفسير آخر هو: (أما روح القدس الذي يؤنسنا فهو الذي يحثنا دوما إلى قبول وفهم الاستقامة والإيمان والطاعة، ويحيي الأشخاص الذين ماتوا في الذنوب والخطايا، ويطهرهم وينزههم ويجعلهم لائقين لتمجيد حضرة واجب الوجود). وكما يلاحظ، إن عبارات قاموس الكتاب المقدس إشارات إلى معنيين لروح القدس: الأول، إن روح القدس أحد الأرباب الثلاثة، وهذه هي عقيدة التثليث، وهي عقيدة شرك بالله ومرفوضة، والثاني يشبه التفسير الثاني المذكور أعلاه. 4 – قلوب غافلة محجوبة كان اليهود في المدينة يقفون بوجه الدعوة، ويمتنعون عن قبولها، ويتذرعون لذلك بمختلف الحجج، والآية التي نحن بصددها تشير إلى واحدة من ذرائعهم. وقالوا: قلوبنا غلف ولا ينفذ إليها قول كانوا يقولون ذلك عن استهزاء، غير أن القرآن أيد مقالتهم، فبكفرهم ونفاقهم أسدل على قلوبهم حجب من الظلمات والذنوب، وابتعدوا عن رحمة الله، فقليلا ما يؤمنون. وهذه مسألة تطرحها آية أخرى من قوله تعالى: “وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا” (النساء 155).