د. فاضل حسن شريف
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” ﴿التوبة 34﴾ كنز الأموال: كان الكلام في الآيات المتقدمة عن أعمال اليهود والنصارى المشوبة بالشرك، إذ كانوا يعبدون الأحبار والرهبان من دون اللّه. الآية الأولى محل البحث تقول: إنّ أولئك مضافا إلى كونهم غير جديرين بالألوهية فهم غير جديرين بقيادة الناس أيضا، وخير دليل على ذلك أعمالهم المتناقضة المضطربة. فالآية هنا تلتفت نحو المسلمين فتخاطبهم بالقول: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ” ﴿التوبة 34﴾. الطريف هنا أنّنا نواجه الأسلوب نفسه في القرآن على ما عهدناه في أمكنة أخرى من آياته، فالآية هنا لم تقل: إنّ الأحبار والرهبان جميعهم ليأكلون، بل قالت: “إِنَّ كَثِيراً” فهي تستثني الأقلية الصالحة منهم، وهذا النوع من الدقة ملحوظ في سائر آيات القرآن، وقد أشرنا الى ذلك سابقا. لكن كيف يأكلون أموال الناس دون مسوّغ أو مجوّز، أو كما عبّر القرآن (بالباطل) فقد أشرنا سابقا الى ذلك في آيات أخرى كما ورد في التأريخ شيء منه أيضا، وذلك: أوّلا: إنّهم كتموا حقائق التعاليم التي جاء بها موسى عليه السّلام في توراته وعيسى عليه السّلام في إنجيله، لئلا يميل الناس الى الدين الجديد، (الدين الإسلامي) فتنقطع هداياهم وتغدو منافعهم في خطر، كما أشارت الى ذلك الآيات (41) و(79) و (174) من سورة البقرة “وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ” (البقرة 41)، “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79)، “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (البقرة 174). والثّاني: إنّهم بأخذهم (الرّشوة) كانوا يقلبون الحق باطلا والباطل حقّا، وكانوا يحكمون لصالح الأقوياء، كما أشارت الى ذلك الآية (41) من سورة المائدة “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (المائدة 41). ومن أساليبهم غير المشروعة في أخذ المال هو ما يسمّى ب (صكوك الغفران وبيع الجنّة) فكانوا يتسلمون أموالا باهظة من الناس، ويبيعون الجنّة ب (صكوك الغفران) والغفران ودخول الجنّة منحصران بإرادة اللّه وأمره، وهذا الموضوع- أي صكوك الغفران- يضجّ به تأريخ المسيحيّة! كما أثار نقاشات وجدالا عندهم. وأمّا صدّهم عن سبيل اللّه فهو واضح، لأنّهم كانوا يحرفون آيات اللّه، أو أنّهم كانوا يكتمونها رعاية لمنافعهم الخاصّة، بل كانوا يتهمون كل من يرونه مخالفا لمقامهم ومنافعهم، ويحاكمونه- في محاكم تدعى بمحاكم التفتيش الديني بأسوأ وجه، ويصدرون عليه أحكاما جائرة قاسية جدّا. ولو لم يقوموا بمثل هذه الأعمال ولم يقدموا على صدّ أتباعهم عن سبيل اللّه، لكان آلاف الآلاف من أتباعهم ملتفين اليوم حول راية الإسلام ودين الحق من صميم أرواحهم وقلوبهم، فبناء على ذلك يمكن أن يقال- بكل جرأة ودون تحفظ- أن آثام الآلاف من الجماعات في رقاب أولئك (الرهبان والأحبار) لأنّهم كانوا سببا في بقائهم في الظلمات، ظلمات الكفر والضلال. وما زالت الكنيسة لحدّ الآن تبذل قصارى وسعها- ولا يقصر في ذلك اليهود أيضا- لتغيير أفكار عامّة الناس، وإلفاتهم عن الإسلام، كما وجه اليهود تهما كثيرة عجيبة إلى النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم. وهذا الموضوع من الوضوح والشمول أنّ جماعة من علماء المسيحية المثقفين اعترفوا بأنّ أسلوب الكنيسة في مواجهة الإسلام ومحاربته أحد أسباب جهل الغربيين بالإسلام وعدم اطلاعهم على هذا الدين الطاهر.
وتعقيبا على موضوع حب اليهود والنصارى لدنياهم وأكل المال بالباطل، فإنّ القرآن يتحدث عن قانون كلّي في شأن أصحاب المال وذوي الثراء، الذين يكنزون أموالهم، فيقول: “والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ” ﴿التوبة 34﴾. والفعل (يكنزون) مأخوذ من مادة (الكنز) وهو المال المدفون في الأرض، وهو في الأصل جمع أجزاء الشيء، ومن هنا فقد سمّي البعير ذو اللحم الكثير بأنّه (كناز اللحم) ثمّ استعمل الكنز في جمع المال وادخاره ودفنه، أو في الأشياء القيمة غالية الثمن. فبناء على ذلك فإنّ الكنز ملحوظ فيه الجمع والإخفاء والمحافظة. (الذهب والفضة) معدنان مشهوران، وكان النقد أو العملة سابقا بالدينار الذهبي والدرهم الفضيّ. ولبعض العلماء تعريف طريف في شأن هذين المعدنين ولغتيهما (كما ذكر ذلك العلّامة الطبرسي في مجمع البيان) فقال: إنّما سمّي الذهب ذهبا لذهابه عن اليد عاجلا، وإنّما سمّيت الفضة لانفضاضها أي لتفرّقها، ولمعرفة مآل وحقيقة هذه الثروة فإنّ هذه التسمّية كافية (لكلّ من المالين- الذهب والفضة). ومنذ كانت المجتمعات البشرية كانت مسألة المبادلة- سلعة بسلعة- رائجة بين الناس، فكان كلّ يبيع ما يجده زائدا على حاجته من المحاصيل الزراعية أو الدواجن بجنس آخر، أو بضاعة أخرى، لأنّ النقد (الدينار أو الدرهم) لم يكن آنئذ، لكن لما كانت المبادلة- أعني مبادلة الأجناس أو البضائع- تحدث بعض المشاكل أو المصاعب، لعدم وجود ما يحتاجه البائع، دائما فقد يكون هناك شيء آخر- مثلا- يراد تبديله، فقد دعت الحاجة الى اختراع النقد. وقد كان وجود الفضة، بل الأهم منه وجود الذهب، مدعاة الى تحقق هذه الفكرة، وهي أن تمثل الفضة القيمة الدانية، وأن يمثل الذهب القيمة الغالية، وبهما اتّخذت المعاملات رونقا جديدا بارزا. فبناء على ذلك فإنّ الحكمة الأصيلة من النقد- الذهب والفضة- هي سرعة تحرك عجلة المبادلات الاقتصادية. أمّا الذين يكنزون الذهب والفضة، فهم لا يكونون سببا لركود الوضع الاقتصادي والضرر بالمجتمع فحسب، بل إنّ عملهم هذا مخالف لفلسفة ابتداع النقد واختراعه. فالآية محل البحث تحرم الكنز وجمع المال، والثروة بصراحة، وتأمر المسلمين أن ينفقوا أموالهم في سبيل اللّه وما فيه نفع عباد اللّه، وأن يتجنبوا كنزها ودفنها وإبعادها عن تحرك السوق، وإلّا فلينتظروا (العذاب الأليم). وهذا العذاب الأليم ليس جزاءهم في يوم القيامة فحسب، بل يشملهم في الدنيا- لإرباكهم الحالة الاقتصادية ولإيجاد الطبقية بين الناس (الفقير والغني) أيضا.
وإذا لم يكن أهل الدنيا يعرفون أهمية هذا الدّستور الإسلامي بالأمس، فنحن نستطيع أن ندركه جيدا، لأنّ الأزمات الاقتصادية التي أبتلي بها البشر نتيجة احتكار الثروة من قبل جماعة (أنانية)، وظهورها على صورة حروب وثورات وسفك دماء، غير خاف على أحد أبدا. حتى يعدّ جمع الثروة كنزا؟ هناك كلام بين المفسّرين في شأن الآية- محل البحث- فهل كلّ جمع للمال أو ادخار له يعدّ كنزا، لأنّه زائد على حاجة الإنسان، فهو حرام وفق مفهوم الآية. أو أنّ الحكم خاصّ ببداية الإسلام وقبل نزول حكم الزّكاة ثمّ ارتفع حكم الكنز بنزول حكم الزّكاة. أو أنّه يجب على الإنسان دفع زكاته سنويا لا غير، فإذا دفع الإنسان زكاة سنته فلا يكون مشمولا بحكم الكنز وإن جمع المال؟ في كثير من الرّوايات الصادرة عن أهل البيت عليهم السّلام وروايات أهل السّنة، يلوح لنا التّفسير الثّالث، ففي حديث عن النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال: (أي مال أدّيت زكاته فليس بكنز). كما نقرأ في بعض الرّوايات أنّه لمّا نزلت آية الكنز ثقل على المسلمين الأمر، فقالوا: ليس لنا أن ندخر شيئا لأبنائنا إذا، ثمّ سألوا النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فقال: (إن اللّه لم يفرض الزكاة إلّا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنّما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم). أي أن جمع المال لو كان- بشكل عام ممنوعا- لما وجدنا لقانون الإرث موضوعا. وفي كتاب الأمالي للشيخ الطوسي قدس سرّه ورد هذا المضمون ذاته عن النّبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم: (من أدى زكاة مال فما تبقّى منه ليس بكنز). إلّا أنّنا نقرأ روايات أخرى في المصادر الإسلامية لا ينسجم ظاهرا- ولأوّل وهلة- والتّفسير الآنف الذكر، ومنها ما ورد عن الإمام علي عليه السّلام في مجمع البيان أنّه قال: (ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤدّها، وما دونها فهي نفقة، فبشرهم بعذاب أليم). وقد ورد في الكافي عن معاذ بن كثير، أنّه سمع عن الصادق عليه السّلام يقول: (لشيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم في الخيرات، وما بقي فهو حلال لهم، إلّا أنّه إذا ظهر القائم حرم جميع الكنوز والأموال المدخرة حتى يؤتى بها إليه ويستعين بها على عدوه، وذلك معنى قوله تعالى: والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ. ونقرأ في سيرة أبي ذر رضوان اللّه عليه في كثير من الكتب أنّه لما كان في الشام، كان يقرأ الآية- محل البحث- في شأن معاوية، ويقول بصوت عال صباح مساء: (بشر أهل الكنوز بكيّ في الجباه وكيّ بالجنوب وكيّ بالظهور أبدا حتى يتردّد الحرّ في أجوافهم). كما يظهر من استدلال أبي ذر رضى اللّه عنه بالآية في وجه عثمان، أنّه كان يعتقد أنّ الآية لا تختص بمانعي الزّكاة، بل تشمل غيرهم أيضا. ويمكن الاستنتاج من مجموع الأحاديث- آنفة الذكر- منضمة إليها الآية محل البحث، أنّه في الظروف الاعتيادية المألوفة، حيث يرى الناس آمنين، أو غير محدق بهم الخطر، والمجتمع في حال مستقر، فيكفي عندئذ دفع الزكاة وما تبقى لا يعد كنزا. وينبغي الالتفات بطبيعة الحال الى أنّه مع رعاية الموازين الإسلامية، وما هو مقرر في شأن رؤوس الأموال والأرباح، فإنّ الأموال لا تتراكم بشكل غير مألوف فوق العادة، لأنّ الإسلام وضع قيودا وشروطا للمال لا يتسنى للإنسان معها جمع الأموال وادّخارها.
وأمّا في الحالات غير الطبيعية وغير الاعتيادية، وعند ما يقتضي حفظ مصالح المجتمع الإسلامي ذلك، فإنّ الحكومة الإسلامية، تحدّد لجمع المال مقدارا، كما مرّ في حديث الإمام علي عليه السّلام أو تطالب الناس بالكنوز وما جمعوه من المال كليّا، كما هو الحال في قيام المهدي، إذ مرّت رواية الإمام الصادق عليه السّلام مع ذكر العلّة. (فيستعين به (أي المال) على عدوّه). إلّا أنّنا نكرر القول بأنّ هذا الموضوع يختص بالحكومة الإسلامية، وهي التي لها حق البتّ والتصميم في مواطن الضرورة والاقتضاء (فلاحظوا بدقّة). وأمّا قصّة أبي ذر رضى اللّه عنه فلعلّها ناظرة الى هذا الموضوع ذاته، إذا كان المجتمع الإسلامي في حاجة ماسة وشديدة للمال، وكان جمع المال وكنزه مخالفا لمنافع المجتمع وحفظ وجوده. ومع أن أبا ذر رضى اللّه عنه كان ناظرا الى أموال (بيت المال) التي كانت عند عثمان ومعاوية، ونحن نعرف أنّه مع وجود المستحقين لا يجوز تأخير دفع المال عنهم لحظة واحدة، بل يجب دفعه الى أصحابه فورا، ولا علاقة لمسألة الزكاة بهذا الموضوع أبدا. على أنّ التواريخ الإسلامية- سنّية وشيعية- مجمعة وشاهدة على أنّ عثمان وزّع أموال بيت المال الضخمة الطائلة على أقاربه، وأن معاوية بنى من بيت مال المسلمين قصرا ضخماً أحيا به أساطير قصور الساسانيين، وكان لأبي ذر رضوان اللّه عليه الحق في أن يحتج بالآية محل البحث أمامها.