كامل الدلفي
لتكن صرختنا عالية بوجه الطائفية في
كل وقت:
الذي راح ولا يأتي..
كامل الدلفي
مرارًا لم نتفق أنا وجاري، لكنّا نتبادل الثياب والسكّر والملح وعلب الكبريت، وحين يطبخ لحماً في غدائه يرسل لنا صحناً قبل أن يتذوقه. ومقابله، وقبل أن نأكل من كيس الفاكهة، يكون صحن الفاكهة قد سبق إلى سفرة عشائهم.
يوقد معي نار القدر لنطبخ هريسة (أبي عبدالله الحسين بن فاطمة) ، ويردد معي بيقين ثابت أنّ فيها شفاءً للناس، بل يعتقد بذلك من صميم قلبه. صلينا معًا، كلّ على شاكلته، لا يثيره أن أسبل يديّ في وقوفي، ولا يثيرني أن يتكتف في وقوفه، لأن قلبينا هما اللذان يصليان بحب لله وللناس.
القرآن بصوته أثير لي، يموسق روحي بالرفعة والصفاء والتقوى، وصوتي في دعاء كميل يعصر دموعه، ويجعله قانتًا بمحراب صداقتي، ويرقرق بعينيه دموعًا لوضوء أبدي. النبي الأكرم صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، لي وله، وعليّ وفاطمة والحسن والحسين لي وله. نفرح معًا في “فرحة الزهرة” ، وتطبخ نساؤنا “شيلان الزهرة” سويًا.
كلانا يصوم، يتحنث ويتحنف في ثلاثين يومًا في رمضان، من السحور إلى الفطور، لا ماء، لا طعام، لا رفث إلى النساء. اختلفنا في رؤية الهلال حين نبدأ رحلة الصيام، وكذلك في الخيط الأبيض من الأسود في الإفطار، ذلك لم يمنع أن أبارك له صيامه وأدعو له بقبول عبادته وصيامه. و اختلفنا في الهلال حتى ندخل في شوال، فهو يشهد الشهر قبلي بيوم ويعيش العيد قبلي بيوم، ولم يمنع أن نتبادل العناق والتهاني في العيد.
اختلفنا في سمكة الجري؛ فهو يستطعمها، وأنا أتقيأ حين أراها. سمكة الجري رائدة الاختلاف بين الفئتين، لكنها لم تمنعنا من أن نأكل مع بعضٍ بقية الأنواع الطيبة من خيرات بلاد النهرين.
لم تتعدّ دائرة الاختلاف عدد أصابع اليد، وكنا نتزوج من بعض، حتى جاء ما لم يخطر في البال؛ صرت أفكر في رأس جاري حتى يرضى الله عني ويمُنحني الجنة، وصار يفكر في رأسي حتى يرضى الله عنه ويمُنحه الجنة.
وألحقنا في ذلك شرحًا وتفاصيل مملة، وصرفنا مزيدًا من الحشو في خطب رنانة في مساجد الله، ومجالس التنافر، ولم يتوقف التدقيق والبحث في التنزيل والسيرة عن أدلة لتفريق قلبينا في احتكار مصطلح الفرقة الناجية… واضحى المتفق عليه قليل.
بعد الذي راح ولا يأتي، ظلت الأرض تدور، والشمس تجري لمستقر لها، وتنبثق النهارات تتعاقب مع الليالي، وأنا وجاري أمسينا في حيرة:
كيف نعود جارين أليفين كما كنا؟