الانسان اكبر من ملف

الإنسان أكبر من ملف

كتب رياض الفرطوسي

نحبّ القصص الجاهزة لأنها تريح الأعصاب. قصة تقول لنا من هو الطيب ومن هو الشرير، من معنا ومن ضدنا. المشكلة أن هذه القصص لا تصف الواقع، بل تُخدّره. التاريخ نفسه صار رواية شعبية: يُروى لا ليفهم، بل ليُستخدم.

عندما يختلط التاريخ بالهوية يتحول إلى عبء. الإنسان يُطالَب بأن يكون وفيّاً لماضٍ لم يختره، وأن يدافع عن سردية لم يعشها، وأن يُحاكم الآخرين بأدوات صدئة. هكذا يصبح الحكم أسرع من الفهم، وأكثر إغراءً. الفهم يتطلب شجاعة، أما الإدانة فتمنح نشوة فورية وشعوراً زائفاً بالتفوّق.

الوصم ليس رأياً، بل سلطة خفية ، تمارسها السياسية احياناً ، ويمارسها المجتمع يومياً ، حين يتحول إلى قاضٍ جماعي، يوزّع الأحكام ويضبط السلوك ويعاقب الخارجين عن السردية السائدة باسم الأخلاق أو العرف أو “الرأي العام”.. هو اختصار حياة كاملة في لقطة واحدة، وتثبيت الإنسان في صورة جامدة كأن الزمن توقّف عنده وحده. لا يُسمح له أن يتغير، ولا أن ينسى، ولا أن يبدأ من جديد. يُستدعى ماضيه كلما حاول التنفّس، كأنه دليل إدانة أبدي.

الإنسان لا يعيش في خط مستقيم. هو يتبدّل حسب اللحظة، والضغط، والخسارة، والصدفة. من يمرّ بتجربة قاسية لا يخرج نظيفاً ولا بريئاً ولا متّسقاً. يخرج متشقّقاً، وهذا طبيعي. غير الطبيعي هو مطالبة البشر بنقاء أسطوري في عالم موحل.

العقل الاختزالي يعشق الثنائيات: معنا أو ضدنا، ملاك أو شيطان. لكنه عقل كسول، يخاف التعقيد، ويهرب من الأسئلة. لذلك يفضّل الصنم على الإنسان الحي، والملف على الكائن المتحوّل. هذا النوع من التفكير لا يبحث عن الحقيقة، بل عن ضحية تُشبع رغبة السيطرة وتمنح شعوراً أخلاقياً زائفاً.

في المجتمعات المهووسة بالإدانة، يصبح الفرح موضع شبهة، ويصير الجمال تهمة. يُنظر إلى الاهتمام بالفن والإبداع والموسيقى والطبيعة والتفاصيل الإنسانية البسيطة كأنه انحراف أخلاقي أو خيانة ضمنية. يُطلب من الإنسان أن يكون دائم التوتر، مشدود الأعصاب، غاضباً بلا توقف، مستعداً للاشتباك في كل لحظة، وكأن قيمته تُقاس بقدر ما يصرخ ويهاجم لا بقدر ما يفهم ويشعر.

يُراد له أن يتحول إلى شعار متحرّك أو أداة صراع دائمة، لا إلى كائن حي يرى، ويحب، ويتأمل، ويفرح، ويتألم، ويبحث عن معنى في أشياء صغيرة تشبه الحياة.

إنه عالم لا يحتاج إنساناً كاملًا، بل وقوداً للصراع؛ لا روحاً، بل موقفاً؛ لا وجداناً، بل صوتاً مرتفعاً يُستخدم ثم يُستبدل.

لكن الإنسان أوسع من كل ذلك. لا يُختصر في موقف، ولا يُلخّص في رأي، ولا يُحبس في زمن واحد. هو قابل للتحوّل، وهذا حقه الطبيعي. المشكلة ليست في تناقض البشر، بل في عقول ترفض الاعتراف بأن الحياة أكثر تعقيداً من شعاراتها.

اختزال الإنسان ليس خَطّاً مَعرِفيّاً فقط، بل عنف رمزي. محاولة لتجميد ما خُلق ليتغيّر. والحرية الحقيقية تبدأ حين نكفّ عن تحويل البشر إلى نسخ، ونعترف بأن كل حياة حكاية مفتوحة… لا ملفاً مغلقًاً