رياض سعد
في أمسيةٍ كان الزمان فيها يميل كسكارى على أكتاف الظلال، التقت عيناه بعينَي أبي فضة… ؛ كان اللقاء كسحابة صيف عابرة، تحمل في طياتها برقاً صامتا… ؛ انها أمسية تتشابه فيها الوجوه وتذوب الأصوات في دخان المقاهي ؛ تبادلا تحايا هي أشبه بفراشات محنطة ؛ ثم جلسا متقابلين يحتسيان الشاي , حيث يُصاغ الصمت من دفق الشاي , ، كأنهما مرآتان متقابلتان تعكسان الفراغ نفسه … ؛ اكتشفا، عبر ضباب الأكواب، تشابهاً غريباً : كلاهما كان يرشف الوحدة من كؤوس الخمر، ويُدخن أحلاماً معتقة في رئة الأرجيلة ، ويسكنهما شوقٌ إلى ملاذات الجسد، ملاذات لا تلبث أن تتحول إلى منافي… ؛ نعم , سرعان ما اكتشفا أن بينهما قواسم خفيّة: حبّ السهر، الهروب من الوحدة، والبحث الدائم عن دفءٍ مؤقّت… .
قال أبو فضة مبتسمًا:
— غريبة هذه المدينة… تجمع الغرباء أسرع مما تجمع الأقارب.
ردّ عماد وهو يحدّق في الكوب:
— ربما لأن الغرباء لا يسألون كثيرًا.
توطدت الصداقة، وصار كلٌّ منهما مرآةً للآخر، يلتقيان هربًا من الوحدة، ويغرقان في ليالٍ بلا أسماء… ؛ وصار كلٌّ منهما مأوى للآخر من صمت المدينة… ؛ واستمرت اللقاءاتُ نسجاً هشاً لصداقةٍ تشبه مرآةً مُشققة، يرى فيها كلٌّ منهما انعكاساً مشوهاً للآخر… ؛ لكن المدن لا تعطي شيئًا مجانًا.
وفي يومٍ من أيام الفراغ التي تتساقط كغبار مسموم على الروح، انتابت عماد رغبةٌ طافحة كمدّ بحر هائج… ؛ التقط هاتفه واتصل بصديقه، وكلماته تخنقها لهفةٌ حيوانية، طالباً أن يجد له منفذاً إلى جسد أنثى، بشرطٍ خاصٍ جعل من الرغبة طقساً مبتذلاً… ؛ لم تمضِ سوى سويعاتٍ حتى جاءه الرد: “الكَراج القديم، قرب سينما الأحلام الْمُهَدَّمَة”.
المحادثة الهاتفية الأولى:
عماد: (صوتٌ مبحوح) أبو فضة… أحتاجُ أنثى… ؛ الآن… ؛ وبشرط… أن تكونَ الممارسة من المؤخرة…
أبو فضة: (ضحكةٌ جافة) كم أنت طفوليٌّ في نهمك… سأرى ما يمكنُ فعله…
نعم , لم تمضِ سويعات حتى رن الهاتف.
المحادثة الهاتفية الثانية:
أبو فضة: الكراجُ القديم، قربَ سينما الأحلام المُهَدَّمَة…
ها هي “هناء”…
هرع عماد كمن يلاحق شبحاً لطالما هرب منه… ؛ وهناك، في فجوة الظل تلك، قدّم له أبو فضة “هناء”، كأنما يقدم بضاعةً مغلَّفة بالغموض… ؛ اتجه الثلاثة إلى مطعمٍ تتساقط منه أضواءٌ صفراء على أطباقٍ من الوحشة… ؛ وبعد العشاء، قادتهم الأقدارُ إلى بيتٍ مؤجر، صاحبه رجلٌ يبدو كأنما خُلق من طين الطمع والانحدار… ؛ اتفقوا على ثمنٍ للجدران وللوقت.
لكنَّ أبا فضة، وقد وقع بصرهُ على زوجة صاحب الدار وهي تترجل من درجٍ داخليٍّ كظلٍّ رشيق، انسابَ في شراك رغبةٍ جديدة. طلب الرجلُ ثمناً باهظاً، فلم يجد أبو فضة في جيبه سوى فتات المبلغ… ؛ التفت إلى صديقه، عيناه تتوسلان , طالبا العون … ؛ ولكن عماداً كان قد أغرقه حسابه في بحر النفقات: إيجار المكان، ثمن الفتاة، فاتورة العشاء… ؛ بحيث لم يبقَ في جيبه سوى دنانير معدودة . .. ؛ ارتسم على وجه أبي فضة صمتٌ حادٌّ كالسكين.
مشهد الانزياح الجنسي:
لم يكن اتصالاً جسدياً بقدر ما كان هجوماً… , انزوى عماد وهناء في الغرفة المجاورة… ؛ دفعها عماد نحو السرير كأنه يدفع ذكرى مُهينة… ؛ التقط صوتُهُنَّ عبر الجدار: أناتٌ مختنقة، وصوت احتكاكٍ خشن… “استديري!” كانت كلمته الوحيدة القاطعة… ؛ حاولت مقاومةً خفيفة، ذراعاها ترتجفان، فزاد ذلك من سَوْرةِ نهمه… ؛ كانت حركته آليةً عنيفة، كبخارٍ يبحث عن منفذ في آلة صدئة… ؛ كلُّ دفعةٍ منه كانت تُخرج منها زفيرا قصيرا، ممزوجا بألمٍ صامت… ؛ كان عماد يمارس رغبته كأنه ينتقم من شبح، والفتاة تتلقى الألم كعقابٍ قديم… ؛ اذ تحوّل الجسد إلى ساحة معركة، واللذة إلى أداة تعذيب… ؛ نظرت إلى السقف المُتشقِّق، بعيداً عن عينيه الحادتين، وكأنها تبحث عن ملاذ في التشققات… ؛ أخيراً، انهار عليها كجدار، وانساب سائلُه الحار كعلامة استفهامٍ نهائية على جسدها… ؛ غادرها من دون كلمة، تاركاً إياها تتلوى كورقةٍ مُحْرَقة على ملاءةٍ بيضاء.
نعم , بعد عشرين دقيقة من الصراع الصامت، خرج عماد منهكاً منتشياً، بينما خرجت هي تحمل ألمها كحقيبة ثقيلة، تكاد تتداعى من ثقلها…!!
أما أبو فضة، فبقي في الغرفة الباردة يحتسي كأس مهانته، وأذنه تلتقطُ كلَّ همسةٍ من وراء الجدار… ؛ كان صراخ هناء المُكتوم يُذكّره بما حُرم منه… ؛ نظر إلى صاحب الدار الزائف الابتسامة، وإلى زوجته التي اختفت خلف باب بعينين مليئتين بالحسد والغيظ … ، وشعر بأن الرجولة وهماً كبيراً، وأنه خسر معركته بصمت.
غادروا المكان جميعاً… ؛ نزلت هناء في منتصف الطريق، تحمل جرحها وتذهب… ؛ وفي السيارة، ساد صمتٌ ثقيل… ؛ كان أبو فضة يتأمل ظلام الطريق، بينما كان عماد يسبح في بحر انتصاره الوهمي.
ومضت الليلة كما تمضي ليالٍ كثيرة: أصواتٌ متداخلة، ضحكاتٌ بلا جذور، ووجوهٌ ستُنسى سريعًا… ؛ غير أنّ تلك الليلة كانت بداية الشقّ…
خرج عماد منه مثقلًا بتعبٍ غامض، فيما عاد أبو فضة وفي عينيه شرارة حسدٍ لم تُطفأ… ؛ ومنذ ذلك المساء، بدأ الشرخ… ؛ و صار الصمت يمشي بينهما ككائنٍ ثالث، لا يُرى ولا يُسمَع، لكنه يملأ المقاعد الفارغة.
مرت أيامٌ لم يلتقيا فيها… ؛ ولكن عماداً عاد إلى هناء عبر شاشة صغيرة، في عالم افتراضي يُدعى “فيسبوك”… ؛ هناك، تحوّل الألم إلى رومانسية مشوهة، والقسوة إلى رمز للفحولة… ؛ قبلتْ هي بهذه الصورة، وكأن بعض النفوس تبحث عن سجنٍ تألفه…!!
كانت الكلمات بينهما تتدحرج كحبّات مطر على زجاج نافذة، وتحوّلت الرسائل إلى عادة يوميّة…
محادثة فيسبوك – (10 أيام بعد الحادثة):
عماد: (يرسل طلب صداقة إلى “هناء” مع رسالة) تلك الليلة… كانت مختلفة…
هناء: (تقبل الطلب بعد ساعات) مختلفة نعم… ؛ مؤلمة…
عماد: الألمُ أحياناً هو البوابة الوحيدة للشعور بأننا أحياء…
هناء: كلامٌ جميل… ؛ لكن الجسد لا يفهم الفلسفة.
ثم تتوالى المحادثات:
محادثة فيسبوك – (أسبوعان لاحقان):
هناء: أبو فضة كان يقول لي إنك وحش اناني …
عماد: وأنا أقول إن الوحوش هي التي تختبئ وراء ابتساماتٍ ناعمة… ؛ أنا صريح في وحشيتي.
هناء: صراحتك هذه… غريبة… ؛ تجعلني أشعر بأنني موجودة، حتى في الألم.
قبل سفر عماد إلى بيروت:
عماد: سأسافر غداً… ؛ سأعود وألتقيك… ؛ مكاننا ذاته.
هناء: سأنتظر… ؛ أحضر لي شيئاً من بيروت… أي شيء.
عماد: سأحضر لكِ البحر…
هناء: تحب السفر؟
عماد: أحب الهروب أكثر.
هناء: وأنا أحب من يهربون… لأنهم يشبهونني…
هناء: لا تطل الغياب. بعض الغياب يتحوّل عادة…
في بيروت، يتحول الحوار إلى نبعٍ رقمي:
محادثة فيسبوك – (من بيروت):
عماد: (صورة لغروب على الروشة) هذا البحرُ يذكرني بامتداد ظهرك…
هناء: (رمز ضحك) أصبحتَ شاعراً؟
عماد: أصبحتُ إنساناً يفتقدُ رائحةَ ألمه…
هناء: هذا أغربُ اعتراف حبٍّ سمعته…
ثم ينقطع الاتصال فجأة… ؛ عشر ليالٍ من الفراغ الرقمي… ؛ وانقطعت أخباره فجأة بسبب ظرفٍ قاهر…!!
نعم , لقد مرض عماد فجأة، ودخل المستشفى، وانقطعت أخباره عشرة أيام كاملة…
بعد العودة إلى بغداد , فتح هاتفه باشتياق :
محادثة فيسبوك – (محاولة فاشلة)
إشعار: تعذر إرسال الرسالة… ؛ لم يعد المستخدم موجوداً.
كان الاختفاءُ كصفعةٍ صامتة… , كيف تتبخرُ روحٌ من سحابةٍ رقمية؟
أصبح يتفقد هاتفه باستمرار، كمن يطرق باب بيتٍ مهجور …
نعم , بحث كثيرًا… , لكن صفحتها كانت قد اختفت… ؛ شعر يومها أن أحدًا ما أطفأ نجمة في سماء صغيرة تخصّه وحده…
اكتشف متأخرًا أن اختفاء صفحةٍ إلكترونية يشبه الموت: كلاهما غياب بلا وداع، وكلاهما يترك خلفه أسئلة بلا أجوبة… , وكلاهما يتركك معلّقًا في منتصف سؤال ؛ وشعر بأن العلاقات التي تُبنى في ذلك العالم الافتراضي تشبه بيوت الرمال، تأتيها موجة فتزيلها من دون أثر… ؛ اختفاء الصفحة كان أشبه بموتٍ بلا جثة، بلا قبر، بلا وداع…
أخذ عقله يدور في دوائر مغلقة: هل حظرته؟
هل أغلقت حسابها؟
هل سرق أحد (الهكرية) ملامحها الرقمية ؟
مرت الأيام ثقيلة، كأن الزمن صار يمشي بعكاز…
شهر… شهران… ولا رسالة…
اضطر عماد إلى الاتصال بأبي فِضّة… ؛ جاءه صوته باردًا جافًا ، متعاليًا، كأن الصداقة بينهما لم تكن سوى وهمٍ عابر…
عماد — اشتقت إليك، قالها مجاملة.
ابو فضة — أهلاً… ماذا تريد؟
تردد لحظة، وحين سأله عن هناء، أجابه بفتور:
— انسَ الأمر.
عماد __ لكن النفس لا تنسى ما تعلّقت به.
ضحك أبو فضة ضحكة قصيرة:
— ولماذا كل هذا التعلّق … ؛ مجرد مومس رخيصة … , العالم مليء بأمثالها … ؟!
عماد — النفس وما تهوى… ؛ انها ليست مومساً… كانت شيئاً مختلفاً…
_ أبو فضة: الوهمُ مختلفٌ دائماً…
أنهى أبو فضة المكالمة ببرود، تاركًا عماد يتأمل كيف تموت الصداقات بصمت…
لكن الحقيقة كانت غير ذلك: فقد اتصلت هناء بأبي فضة وهي تتوسل للحصول على اتصال بعماد، واخبرته بضياع جهازها ( الموبايل ) لكنه أخفى الأمر عن صديقه ، مدفوعاً بحسده والألم الذي تخلف في أعماقه من تلك الليلة… ؛ اذ نهر هناء وزجرها , وادعى عدم معرفته باي عنوان الكتروني يخص عماد … ؛ وكذلك نفى معرفته برقم عماد الخاص بهاتفه …!!
أشهرٌ من الانتظار… ؛ ثم، في سهرة سكر عابرة جمعت عماد مع أبي فضة مع صديق ثالث في احدى حانات ( بارات ) الخمور :
حوار السُّكْر:
أبو فضة: (ثمل) تلك… , المومس… اتصلت بي… , كانت تبحث عنك.
عماد: (يجمّد حركته) متى؟!
أبو فضة: منذ شهور … , لم أخبرك… ؛ لمَ أُخبرك؟ كنتَ سعيداً بذلك…!!
عماد: أنت… حقير بلا مشاعر … !
أبو فضة: هاتِ هديةً عطرا فاخرا ، وأعطيك صفحتها الجديدة…
دفع عماد الثمن… ؛ وعندما وجد صفحتها الجديدة على الفيس بوك ، كان البحث عنها أشبه بلعبة قطٍّ وفأر…
نعم , لاحقًا، عرف عماد أن هناء كانت تبحث عنه أيضًا، وأن أبا فِضّة أخفى الأمر بدافع الغيرة… ؛ و شعر عماد يومها أن الخيانة لا تحتاج إلى طعنات؛ يكفيها كتمان صغير في الوقت الخطأ.
عاد يبحث عنها من جديد، عبر وجوهٍ أخرى وصفحاتٍ أخرى، وراسل الصفحة ولكن من دون رد … ؛ وهكذا كرر المحاولات واحدة تلو الاخرى دون نتائج ملموسة , حتى قادته الصدف إلى سحر، صديقة هناء في صفحتها على الفيس بوك . ساعدته سحر، وتحوّلت المراسلات بينهما إلى مساحات دافئة، وبدأ الودّ ينبت بين السطور…
محادثة فيسبوك مع سحر:
عماد: أبحث عنها منذ أشهر…
سحر: لا أعلم مكان هناء الان … , هناء لم تعد تستقر في مكان… ؛ سأحاول مساعدتك.
سحر: أنا صديقتها… , هي تعملُ الآن… ؛ حزينة.
سحر: تبدو متعبًا.
عماد: لأنني أبحث عن أشخاص يختفون.
سحر: لا تبحث كثيرًا… , بعض القلوب لا تحب أن تُعثر عليها.
عماد: أخبريها إن قلبي ما زال يحملُ بصماتها…
سحر: كلامك شعري وحزين… ؛ هي لا تستحق…!!
يتحول الحوار مع سحر إلى مرفأٍ جديد:
محادثة متواصلة مع سحر:
سحر: أنتَ مختلف عن بقية ذئابها…
عماد: لستُ ذئباً… , كنتُ جريحاً يبحث عن مرآة في جسد.
سحر: (ترسل صورة ظلّها على الحائط) هل تبحث عن مرآتي أنا؟
عماد: بدأتْ مرآتك تُضيء…
اضطرت هناء للعمل في مقهى، وارتبطت بصاحبه تحت وطأة الحاجة والعوز … ؛ وقد تغيرت مشاعرها ونست عماد تحت وطأة الظروف القاسية والاشكال المتنوعة والوجوه المختلفة والاغراءات المتعددة وممارسات النكاح المستمرة …!!
وأخيرا ؛ عثر على صفحة لهناء على ( إنستغرام ) بفضل جهود سحر … ؛ لكن التواصل كان شائكاً، مليئاً بالحجب والتغير …
محادثة إنستغرام – (المحاولة الأولى):
عماد: عُدْتُ من المرض… , من بيروت… , من المستشفى.
هناء: (بعد يوم) من أنت؟
عماد: عماد… ؛ الرجلُ الذي أحضر لك البحر.
هناء: لقد نسيتُ… ؛ الكثير من الرجال يحملون بحوراً وهمية…!!
نعم , حين عاد صوت هناء أخيرًا، وجده متغيّرًا، كنافذةٍ أُعيد طلاؤها على عجل…
المحادثة الثانية :
عماد: أين كنتِ؟
هناء: الحياة سحبتني من يدي.
عماد: اشتقت إليك.
هناء: وأنا… لكنني تغيّرت.
وعدت بلقاء، ثم اعتذرت ؛ ثم وعدت بلقاء واعتذرت ايضا …
ثم اتفقا على لقاء يوم الجمعة…
فرح عماد، ولام نفسه على سوء ظنه…
وفي ليلة الجمعة , اراد عماد أن يؤكد الموعد :
عماد: سأراك غدًا.
هناء: ربما… العمل يرهقني.
ثم جاءه صوت غريب من حسابها ؛ اذ تدخّل صاحب المقهى عبر حسابها، ليقول له بفظاظة: “إن كنت تريدها فتعالَ إلى المقهى”.
ارتبك عماد.
عماد: أعطني هناء.
هناء: إن أردت لقائي، تعال بنفسك… وإلا… انسَ الأمر.
ثم انقطع الاتصال… ؛ ثم أغلقت الأبواب فجأة، وحظرته …!!
سقط عماد في فراغٍ مضاعف…
لم يجد سوى سحر، فأخبرها بما جرى … ؛ وبادلته كلماتٍ تشبه الضمادات… ؛ ومع الأيام، شعر أن قلبه يميل إليها، لا بوصفها بديلًا، بل بوصفها حضورًا حقيقيًا وسط هذا الضباب…
محادثة مع سحر :
عماد: أشعر أن الجميع يلعب بي…
سحر: أحيانًا لا يلعب بنا الناس…, بل يلعب بنا القدر.
تقاربت الأرواح، واعترف لها بما يشعر…
عماد: أشعر أنك أقرب إليّ من الجميع.
سحر: ربما لأننا التقينا في وقتٍ هش.
ثم اتفقا على اللقاء…
وقبل الموعد بساعة، دخل عماد إلى صفحتها ليؤكد الوقت والمكان …
فدخل إلى صفحتها على فيسبوك…
إشعار: تعذر الوصول إلى هذه الصفحة… , قد يكون هذا بسبب خطأ في الرابط، أو أن الصفحة تم حظرها… ؛ فوجد نفسه محظورًا… ؛ والصفحة… غير موجودة…!!
جلس طويلًا أمام الشاشة السوداء، وأدرك أخيرًا أن بعض البشر لا يرحلون بأقدامهم، بل ينسحبون كالدخان، وأن العلاقات التي تُبنى على الضوء الأزرق غالبًا ما تنهار عند أول انقطاع للكهرباء…
نعم , فهم أخيرًا أن بعض البشر لا يرحلون بأقدامهم، بل ينسحبون من حياتك بزرّ “حظر” … ؛ وأن العلاقات التي تولد في الضوء الأزرق … ؛ تموت غالبًا عند أول انقطاع للإنترنت… , وأدرك فجأةً أن كلَّ تلك الحوارات المُضاءة بشاشات زرقاء لم تكن سوى أحاديث أطيافٍ مع أطياف …!!
وقف عماد أمام الشاشة الزرقاء ، حيث كان اسم “سحر” ومعه كل الأمل الذي نسجه، قد اختفيا… ؛ لم يعد هناك حتى مكان للصراخ… ؛ لقد صار الغياب هو العنوان الدائم، والواقع الافتراضي هو الأرض الخصبة لزراعة الوحدة… ؛ لامست أصابعه زجاج الشاشة الباردة، وتساءل في صمت: أيُّ شبحٍ كان يحاور؟
وأي عالمٍ كان يسكنه طوال هذا الوقت؟
كانت النوافذ الرقمية تُغلق واحدة تلو الأخرى، تاركةً إياه في صمت الغرفة الحقيقي، حيث لا صدى إلا لأنفاسه هو.
نظر حوله في غرفته الحقيقية: الفراشُ غيرُ مرتب، والستائرُ مُسدلة. كان العالم الافتراضي يطردُه إلى وحدته المادية القاسية، بعد أن أغدق عليه أوهاماً من رفقة …
رفع رأسه نحو النافذة…
كانت المدينة تمطر…
وهمس لنفسه: نحن لا نفقد الأشخاص… ؛ نحن نفقد عناوينهم وأدوارهم في هذا العالم الافتراضي الهش…