رحلة مسافر يريد وطنًا

كامل الدلفي

رحلة مسافر يريد وطنًا

(قصة قصيرة)-كامل الدلفي

سألَه الأب، وهو يشدّ الطفل إلى ظهره كمن يشدّ حياته الأخيرة:

— إلى أين يا ولدي؟

ثم استدرك، كمن يخاف من جواب السؤال: – استرنا، يسترك الله.

قال الصغير، ولم يكن صغيرًا كما ظنّ الأب:

– أريد وطنًا.

كان الأب قد بلغ من عتبات العمر عتيًّا، حتى جفّت دموعه، ولم يبقَ فيها ما يُطفئ جمر اللوعة. قالها بصوت مكسور، كمن يسلّم أمره للسماء:

– أخاف عليك لا قدر الله، سبحانه.

لكن الجوع إلى وطن كان ينهش الابن كلدغة أفعى.يتقلّب في موجات السمّ، ويغرق في تيهٍ لا شاطئ له.

وكان الوطن الغائب كافرًا بالهدوء، كقاطرةٍ تدعس كل طمأنينة، وقد دخلوا عامهم العشرين في الرحلة.

قال الابن:

– أبي، أنزلني عن ظهرك.

ملّت ذاكرتي من ثقل السؤال، وكبرت ممانعتي.لم تعد الترياقات تُوائمني:

– من صبر ظفر، من جدّ وجد، الله كريم… الله كريم.

أعرف أن الله كريم، ولكن بعد؟

نظر إليه الأب طويلًا، وقال:

– أشهد أني لم أبخل عليك بحياتي، وأقرّ أني أحفظك كما أحفظ صلاتي.

لكني… كنت مشغولًا بك عنك.ثم صمت.

تابع الابن، كمن يكمل اعترافًا مؤجّلًا:

– لم تورّثني وطنًا، لأنك لم تعرفه.

لم تحضنه، لم تتعرّف إلى حكايته.

لم تجلس تحت عباءته، ولم تتلمّس حلمًا يتحقّق في رواياته.قالوا لنا يومًا:

– هذا عَلم، هذا وطنك، هذا شرفك.

وإن سقط العلم لحقتك الأُبنة،اسجد له، اركع، فهو معصوم بعد الرب.تركوه يرفرف، والتفّوا بلذائذهم، وأطالوا منكَ الهُزء، وقالوا: كم يتحمّل ابن الكلب؟

وأنت تهرول بين الجبهة والجبهة، بين الساتر والساتر، بين المدفع والمدفع، بين عمرٍ محروق على خرقة علم، وبين كدٍّ لعشرة صبية… لا يجلس بينهم وطن محترم.

ثم أردف (الابن) بهدوءٍ يشبه القرار:

– لا أطلب أن تمنحني ما لا تملك.دعني أمضي، فلعلّي أجد مع الناس هدى، وأورّث أولادي وطنًا.

مضى، وبقي الأب واقفًا عند آخر الطريق، يفكّر أن هذا الوطن عاش طويلًا، لكنّه…. لم يأخذ فرصته بين سلالتنا.