دستور الحقوق كيف أسس الإمام علي لمفهوم المواطنة العالمية

​بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي

​(وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)
بهذا النداء الإنساني الخالد، خطَّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في عهده لمالك الأشتر ملامح دستور كوني، تجاوز به حدود الزمان والمكان، ليضع الحجر الأساس لما نسميه اليوم في الفكر السياسي المعاصر (المواطنة العالمية) إن هذا الحديث ليس مجرد وصية أخلاقية من حاكم لعامله، بل هو إعلان دستوري متكامل يقرر أن القيمة الإنسانية هي معيار الحقوق والواجبات، بعيداً عن تصنيفات العرق أو المعتقد أو الطبقة الاجتماعية.
​إن المتأمل في عمق هذه السردية العلوية يجد أن الإمام قد فكك مفهوم السلطة من كونها أداة هيمنة إلى كونها مسؤولية أخلاقية قائمة على (الرحمة) و(اللطف) ، حيث جعل من الرابطة البشرية (النظارة في الخلق) مساوية في الحقوق للرابطة العقائدية (الأخوة في الدين). هذا الترابط المنطقي يقطع الطريق على أي تبرير للظلم أو التهميش بحجة الاختلاف، فالدولة في فكر الإمام هي مظلة تحمي الوجود الإنساني بحد ذاته، وتعتبر أن كرامة الإنسان مستمدة من أصله الوجودي لا من انتمائه الأيديولوجي، مما يجعل من هذا الفكر قفزة نوعية سبقت مواثيق حقوق الإنسان الحديثة بقرون طويلة.
​وفي سياق هذا التحليل، نجد أن الإمام علي عليه السلام يربط بين استقرار المجتمعات وبين الاعتراف بالآخر كشريك كامل في الحياة، فالحاكم الذي لا يرى في محكوميه إلا أتباعاً أو غرباء يقع في فخ (السبع الضاري) الذي يغتنم الفرص للتسلط، بينما الحاكم الذي يستشعر (النظارة في الخلق) يدرك أن كل فرد في المجتمع هو امتداد لذاته الإنسانية. إن هذه الرؤية الشمولية تؤسس لمواطنة لا تعترف بالحدود الضيقة، وتدعو إلى بناء مجتمع عالمي يقوم على التعددية والتعايش السلمي، حيث يُحترم (نظير الخلق) لذاته الإنسانية المقدسة، ويُصان حقه في العدل والمساواة كحق أصيل لا يقبل القسمة أو التجزئة.
​إن هذا المنهج العلوي يظل اليوم هو البوصلة الأخلاقية التي يحتاجها العالم المعاصر لمواجهة صراعات الهوية والكراهية، فهو يقدم نموذجاً حياً للدولة التي تستوعب الجميع، محولةً الاختلاف من سبب للنزاع إلى مساحة للرحمة والجمال الإنساني. إنها دعوة دائمة لإعادة الاعتبار للإنسان، بوصفه القيمة العليا التي تتوحد عندها كل الغايات السياسية والاجتماعية، ليبقى قول الإمام علي نبراساً يضيء دروب العدالة لكل بني البشر.