إيهاب مقبل
ليست ذي قار مجرد مساحة جغرافية في جنوب العراق، بل قلب حضاري ينبض بالذاكرة والتاريخ. تقع على ضفاف أهوار الجنوب، وهي منطقة عرفت منذ أقدم العصور بموقعها الحيوي، إذ كانت مركزًا لاستقرار البشرية منذ عهد سومر وبابل. هنا، تتداخل الحياة اليومية مع إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، ويشكّل أساسًا لفهم العراق القديم والحديث على حد سواء.
الاسم والجذور التاريخية
تُعدّ ذي قار واحدة من أكثر مناطق العراق ثقلًا تاريخيًا، إذ شكّلت القلب الجغرافي لحضارة سومر القديمة منذ نحو 5000 عام قبل الميلاد. تحتضن أراضيها أطلال مدن مفصلية في تاريخ الإنسانية مثل أور، وإريدو، ولكش، التي ارتبطت ببدايات العمران، والكتابة، والتنظيم السياسي والديني.
بوصفها جزءًا من سومر ثم بابل، تُعدّ ذي قار من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في تاريخ البشر، وتُذكر مدينة أور تحديدًا باعتبارها، وفق بعض الروايات التاريخية والدينية، موطن النبي إبراهيم عليه السلام، ما يمنح المكان بعدًا حضاريًا وروحيًا متداخلًا.
وتبرز الأهمية الأثرية للمحافظة من خلال مواقعها الكبرى، مثل زقورة أور، وتل العبيد، ولكش، ولارسا، التي ما تزال تشكّل مادة أساسية لدراسة نشوء الحضارة الإنسانية، وتؤكد أن ذي قار ليست أطلالًا صامتة، بل سجلًا مفتوحًا لتاريخ الإنسان الأول.
كما تعرف المحافظة بأنها مسرح معركة ذي قار في القرن السابع الميلادي، التي سجّل فيها المسلمون انتصارهم على الإمبراطورية الساسانية، ما يضيف بعدًا سياسيًا وتاريخيًا مهمًا لهوية المنطقة.
الناصرية: المدينة ومركز السلطة
تأسست الناصرية عام 1872م على يد ناصر السعدون باشا، شيخ قبيلة المنتفق، الذي سُميت المدينة باسمه. وفي العام نفسه، أصبحت المركز الإداري لسنجق المنتفق، ما منحها دورًا محوريًا في إدارة شؤون جنوب العراق خلال العهد العثماني، وربطها بمسار الدولة الحديثة والتنظيم الإداري. ومنذ تأسيسها، لم تكن الناصرية مجرد مدينة إدارية، بل فضاءً تشكّل عند تقاطع العشيرة والدولة، والريف والمدينة، والتاريخ العميق لذي قار مع التحولات السياسية الحديثة.
الأقضية: نسيج اجتماعي متكامل
تضم المحافظة مجموعة من الأقضية التي تعكس تنوع الحياة الاجتماعية والجغرافية: الجبايش، والناصرية، والرفاعي، والشطرة، وسوق الشيوخ. كل قضاء له خصوصيته، فالشطرة والرفاعي تشتهران بالزراعة والبساتين، في حين تُعرف سوق الشيوخ بأسواقها الشعبية، ويشكل الجبايش امتدادًا ثقافيًا مهمًا يعكس تاريخ المنطقة وتماسك المجتمع المحلي.
الزراعة والحياة الحيوانية
يعتمد اقتصاد ذي قار بشكل كبير على الزراعة، حيث تُزرع محاصيل الحبوب كالقمح والشعير، إضافة إلى الأرز في المناطق القريبة من المياه. كما تنتشر بساتين النخيل والفواكه، وتشكّل تربية الأغنام والماعز نشاطًا اقتصاديًا أساسيًا، خصوصًا في الأرياف. الحياة الحيوانية تتنوع بين الجاموس والطيور المائية والأسماك في الأهوار، ما يجعل المحافظة واحدة من أغنى مناطق العراق بيئيًا.
الأهوار: حضارة على الماء
تعتبر أهوار ذي قار جزءًا من هويتها الأساسية، فهي ليست مجرد مسطحات مائية، بل نظام حياة متكامل. القصب، والزوارق، والصيد، والزراعة المغمورة بالماء، كلها تشكّل أنماط حياة فريدة. ورغم محاولات التجفيف والتحولات البيئية، ما تزال الأهوار رمزًا للمقاومة البيئية، ولتجربة إنسانية متواصلة منذ آلاف السنين.
الإنسان في ذي قار: ذاكرة تعيش مع المكان
تميّز الإنسان في ذي قار بعلاقة قوية مع الأرض والماء، وعرف كيف يعيش بين صعوبات الطبيعة والتاريخ، محافظًا على هويته وتراثه. الهجرة والعودة، العمل على الأرض، والمقاومة البيئية والاجتماعية، كلها عناصر شكّلت شخصية ذي قار، وجعلت أهلها أكثر ارتباطًا بالأرض وأكثر وعيًا بقيمة التاريخ والحضارة.
خاتمة
ذي قار ليست محافظة تُقرأ فقط من الخرائط، بل تُفهم من خلال تاريخها العميق، ومدنها، وأهوارها، وأهلها. من الناصرية إلى الشطرة، ومن الأهوار إلى أطلال أور ولاغاش، تتشكّل حكاية عراقية متصلة، تختزن الحضارة، والذاكرة، والصبر البشري.
في ذي قار، لا يبدأ التاريخ… بل يعود إلى أصله، لتبقى الأرض والذاكرة متلازمتين، وحيث يرفض القلب أن ينسى الماضي مهما تغيّر الزمن.
انتهى