التمدد الكويتي في المياه العراقية: قراءة في التاريخ والجغرافيا والموقف العربي

رياض سعد

تشهد العلاقات العراقية-الكويتية منعطفاً خطيراً جديداً، يعيد إلى الواجهة ملفاً تاريخياً طويلاً من الخلافات الحدودية والسيادية، والتي تتخذ اليوم أبعاداً اقتصادية واستراتيجية تهدد المصالح الحيوية للعراق… ؛ فبعد إيداع الحكومة العراقية خرائطها البحرية لدى الأمم المتحدة في يناير/شباط 2026، استناداً إلى اتفاقية قانون البحار لعام 1982 وحقها السيادي في تحديد مناطقها البحرية ، أطلت علينا المسرحية ذاتها: اصطفاف خليجي وعربي خلف الموقف الكويتي، وإدانة للحقوق العراقية التاريخية…!!
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يقف الجميع ضد العراق؟ وأين ذهبت اعتبارات حسن الجوار والعلاقات الأخوية عندما يتعلق الأمر بحقوق هذا البلد العظيم؟!
جذور الأزمة: قراءة تاريخية في الجغرافيا المسروقة
من الواضح أن ما نشهده اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من التمدد الكويتي على حساب الأراضي والمياه العراقية، بدعم مباشر من القوى الاستعمارية قديماً ومن حلفائها الخليجيين حديثاً… ؛ لقد كان حكام الكويت، منذ بداية التكوين السياسي للإمارة المغتصبة والمنسلخة من العراق ، أدوات في المشروع البريطاني الهادف إلى دق إسفين بين أبناء الأمة العراقية وإلحاق الضرر بالعراق العظيم… ؛ فقد جيء بهم عملاء مرتزقة لدى الإنكليز، لينفذوا مخططاً استعمارياً يقضي بانتزاع الكويت والأهواز من جنوب العراق، بدافع الحقد على أهله الأصلاء … .
فمنذ اتفاقية 1913 الأنجلو-عثمانية، ثم ترسيم الحدود في 1923 و1932، ظل الخلاف قائماً حول مناطق حدودية استراتيجية، ولم يُحسم مصير بعض المناطق الحدودية بشكل نهائي .
ورغم اعتراف العراق بالكويت عام 1963، إلا أن السياسات الكويتية المتعاقبة ظلت تنتهج أسلوب التمدد التدريجي والاستيلاء على المساحات المائية، مستغلة الظروف الصعبة التي مر بها العراق… ؛ وهكذا، صنعت الكويت لتكون خنجراً في خاصرة العراق، لا سيما جنوبه، الذي يطل على شريط ساحلي لا يتجاوز طوله بضعة كيلومترات، بينما تمتلك الكويت سواحل تمتد لمئات الكيلومترات … .

أزمة 2026: اكتمال فصول المسرحية
جاءت الخطوة العراقية الأخيرة، المتمثلة بإيداع خرائط تحدد خطوط الأساس والبحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة، لتصحح مساراً قانونياً طويلاً من الإهمال والتجاهل للحقوق العراقية … ؛ فقد استندت الحكومة العراقية إلى قرارات وقوانين وطنية وإلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مؤكدة أن تحديد المجالات البحرية شأن سيادي لا يقبل التدخل … ؛ كما أشار وزير الخارجية فؤاد حسين إلى أن الكويت سبق أن أودعت خرائطها عام 2014 دون تشاور مع العراق، فلم يقم الدنيا ولم يقعدها حينها أحد ….
إلا أن الدنيا قامت ولم تقعد هذه المرة… ؛ فما إن أودع العراق وثائقه، حتى انطلقت البيانات الرسمية من دول مجلس التعاون الخليجي، الواحدة تلو الأخرى: السعودية، قطر، الإمارات، البحرين، سلطنة عمان، جميعها تدين الخطوة العراقية وتؤكد “تضامنها المطلق” مع الكويت … ؛ وهكذا اجتمع إخوة يوسف اللؤماء ليتفقوا فيما بينهم على إلحاق الضرر بالعراق، في مشهد يثبت أن شعار هذا المجلس المشبوه هو “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”… ؛ بل إن الأمر تجاوز دول الخليج التي يبدو موقفها متوقعاً، إلى دول عربية أخرى كان المفروض بها أن تلعب دور الوسيط … .
العجب كل العجب: الأردن ومصر في الخندق المقابل
من المثير للدهشة، بل ومن دواعي الأسف، أن نرى الأردن ومصر، هاتين الدولتين اللتين طالما اغتذتا من خيرات العراق وامتصتا ثرواته ، تسارعان إلى دعم الموقف الكويتي والوقوف ضد الحقوق العراقية… ؛ فقد دعت مصر إلى تغليب الحوار، مع تأكيدها على احترام سيادة الكويت ، وهو موقف محايد شكلاً لكنه في جوهره انحياز واضح ضد بغداد… ؛ أما مملكة الأردن فقد ساندت الكويت ضد العراق ، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تقف مع العراق الذي كان ولا زال العمود الفقري لاقتصادها المتهالك .
إن إنجرار الأردن ومصر خلف الموقف الكويتي غير مبرر على الإطلاق… ؛ فإذا كان للسعودية تحفظها على الحدود البحرية بسبب حقل الدرة الواقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة، فما علاقة الأردن ومصر وقطر بهذا الملف؟!
ألم يكن الأولى بهذه الدول أن تلعب دور التهدئة والوساطة لاستعادة الحقوق العراقية التي سلبتها قرارات مجلس الأمن وسياسات النظام البائد ، بدلاً من الانضمام إلى جوقة العدوان ضد العراق؟
يبدو أن الأردن، الذي يشبه في وضعه الاقتصادي بعوضة تمتص دماء الجسد العراقي السليم، قد نسي المساعدات النفطية التي تقدمها بغداد بعشرات بل مئات المليارات من الدنانير سنوياً، ونسي أرباح البنوك الأردنية من تحويلات العملة العراقية التي تقدر بالمليارات، فضلاً عن الاستثمارات والأنشطة التجارية والصناعية والسياحية التي يوفرها العراق للأردن… ؛ ورغم كل هذه الامتيازات، تركض عمان كالكلب الأجرب خلف حكام الكويت، وتغدر بالعراق العظيم كعادتها المعروفة .
أما مصر، التي حصلت على الكثير من الامتيازات والاستثمارات في العراق، بدءاً من تقاعد المصريين الباطل الذي يسرق من قوت العراقيين، وانتهاءً بالعمالة المصرية الوافدة، فإنها وكعادتها تتنكر لكل ما هو عراقي وتسارع إلى التملق للكويت… ؛ إن هذا الموقف المصري يثبت مرة أخرى أن سياسة الخيانة والتنكر هي العنوان الأبرز في العلاقة مع العراق … .
خلاصة: العراق وحده في مواجهة المشروع المعادي
يبقى العراق، بموقعه الجغرافي الفريد وإرثه التاريخي العريق، وحيداً في مواجهة تحالف إقليمي يعمل على تطويقه وخنقه اقتصادياً… ؛ إن التمدد الكويتي المستمر في خور عبد الله، ومحاولة السيطرة على ممرات العراق المائية ، ليس سوى حلقة في مسلسل طويل يهدف إلى تقويض أي مشروع نهضوي عراقي، وفي مقدمتها مشروع ميناء الفاو الكبير .
لقد آن الأوان أن يدرك العراقيون أن حقوقهم التاريخية لن يعترف بها أحد ما لم يفرضوها بالقوة القانونية والسياسية… ؛ خطوة إيداع الخرائط لدى الأمم المتحدة تمثل اتجاهاً صحيحاً، لكنها تحتاج إلى دعم سياسي وشعبي عراقي واسع، وإلى إرادة صلبة قادرة على مواجهة هذا الاصطفاف الإقليمي العدواني غير المسبوق.
إن خليجنا كان عراقياً منذ القدم، وكان يسمى بخليج البصرة، وسيبقى عراقياً في وجدان الأمة، مهما حاولت الأطراف الإقليمية والدولية تغيير الحقائق الجغرافية والتاريخية… ؛ فالعراق أكبر من أن يُزايد عليه أحد، وسيادته على مياهه وأرضه خط أحمر، لن نتنازل عنه تحت أي ظرف .