لبنان بين مطرقة الإحتلال وسندان النازحين السوريين

**الصمت الرسمي بين الاحتلال والمخيمات:

كيف تُدار السيادة اللبنانية بين مناطق عازلة إسرائيلية وتمركز نازحين على مجرى الليطاني؟**

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

مقدمة

في لحظةٍ تاريخيةٍ شديدة الخطورة؛ أعلنِ نتنياهو صراحةً عدم الانسحاب من المواقع التي إحتلها جيش الإحتلال داخل الأراضي اللبنانية، وذهب أبعد من ذلك بإعلانه إنشاء “مناطق عازلة” في الجنوب اللبناني، دون تحديد أبعادها الجغرافية أو سقفها الزمني، في خرقٍ واضح للسيادة اللبنانية ولقواعد القانون الدولي.

ورغم خطورة هذا الإعلان الذي يُكرّس إحتلالًا مستدامًا، لم تبادر السلطتان التنفيذية و/أو الرئاسية إلى إتخاذ أي إجراء استثنائي وفوري، كالدعوة إلى إنعقاد المجلس الأعلى للدفاع أو مجلس الوزراء في جلسة طارئة، كما لم يتحرّك مجلس النواب، لمساءلة الحكومة حول تقاعسها في الدفاع عن سيادة لبنان، وسلامة أراضيه، لا في الجنوب ولا في المناطق التي طالتها الاعتداءات في البقاع الغربي والهرمل و……. .

وإلى جانب تقاعس السلطة التنفيذية عن القيام بواجباتها في حماية السيادة والدفاع عن المواطنين، نلاحظ غيابًا كليًا لهذه السلطة في ملف يوازي خطورة نوايا نتنياهو، وهو َملف النازحين السوريين الذي تحوّل من حالة إنسانية إلى “جيش احتياط” ينتظر إشارة الانطلاق، وكلاهما تحت غطاء من الصمت الرسمي المطبق.
لذا لا بد من جولة بانورامية ووضع النقاط على الحروف:

أولًا: المناطق العازلة – احتلال مُعلن بلا ردّ رسمي

إن إعلان “مناطق عازلة” داخل الأراضي اللبنانية دون اتفاق أو تفويض دولي، يُعد:
– تغييرًا أحاديًا في قواعد الاشتباك
– فرضًا لوقائع جغرافية بالقوة
– تمهيدًا لضمٍّ زاحف تحت غطاء أمني؛
ويُرتّب على الدولة اللبنانية واجبًا دستوريًا فوريًا:
– الدعوة إلى جلسة طارئة للمجلس الأعلى للدفاع
– تحريك شكوى عاجلة أمام مجلس الأمن
– استدعاء السفراء المعنيين
– إعلان المناطق المحتلة مناطق عدوان عسكري؛
وإن عدم القيام بهذه الإجراءات يُفسَّر كقبولٍ ضمني بالأمر الواقع، ويُعرّض مفهوم السيادة للتآكل التدريجي.

ثانيًا: النزوح السوري بعد انتفاء أسبابه – إدارة خارج القرار اللبناني

يواجه لبنان أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية منذ عقود، حيث يستضيف أكبر عدد من اللاجئين بالنسبة للفرد الواحد حول العالم.

وبحسب التقديرات الحكومية، يعيش في البلاد 1.5 مليون لاجئ سوري، ويعيش 90% من اللاجئين السوريين في حالة من الفقر المدقع، فيما تبرز منطقة البقاع على أنها المنطقة الأعلى كثافة باللاجئين في لبنان.

بالتوازي مع هذا الخرق السيادي، يستمر التواجد السوري الكثيف في لبنان رغم سقوط مبررات النزوح، لا سيما بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا في 8 كانون الأول الماضي.

وقد شكّلت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى فرنسا محطة مفصلية، حيث طلب دعمًا ماليًا وسياسيًا لمعالجة ملف النزوح، إلا أن الردّ الفرنسي جاء حاسمًا وبوقاحة:
“السوريون باقون في لبنان حتى إنجاز الانتخابات في سوريا”، من دون تقديم أي دعم مالي، يُمكّن لبنان من تحمّل أعباء هذا القرار.

ومنذ ذلك الحين، غاب الملف عن الخطاب الرسمي، وكأن الدولة سلّمت بإدارته خارجيًّا وتنفيذ ما يملى عليها في ظل تمركز عشرات المخيمات على مجرى نهر الليطاني، وما يمثل ذلك من مخاطر بيئية َإجتماعية على حد سواء .

ثالثًا: مخيمات الليطاني – كارثة بيئية بمسؤولية دولية

إن انتشار مخيمات النزوح، لا سيما مخيّم 099 في البقاع، بمحاذاة مجرى نهر الليطاني دون ربطها بشبكات صرف صحي، أدى إلى:

– تصريف مباشر للمياه المبتذلة في النهر
– تلوّث المياه الجوفية
– تهديد الثروة الزراعية
– إنتشار الأمراض المنقولة بالمياه؛
وبما أن هذه المخيمات تُدار بخدمات مباشرة من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وشركائها الأوروبيين، فإن:
– المفوضية السامية تتحمل مسؤولية الأضرار البيئية الناتجة
– الاتحاد الأوروبي مُلزم بتمويل محطات تكرير
– الجهات المانحة مطالبة بإعادة تأهيل حوض الليطاني

رابعًا: الصيغة اللبنانية تحت الخطر

إن استمرار:
– الاحتلال الإسرائيلي لمواقع لبنانية
– إنشاء مناطق عازلة
– بقاء النازحين دون جدول زمني للعودة
– تدمير الموارد المائية الوطنية
– يُهدد البنية الديموغرافية والاقتصادية والبيئية للبنان؛ ويستوجب إطلاق صافرات الإنذار قبل فوات الأوان.

خاتمة وتوصيات

أمام هذا الواقع، تصبح الدولة اللبنانية مُطالبة بـ:
– رفض أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية
– تحريك المسار الدبلوماسي والقانوني فورًا
– إلزام المفوضية السامية بتحمّل الأضرار البيئية
– مطالبة الاتحاد الأوروبي بتمويل محطات تكرير على مجرى نهر الليطاني
– وضع جدول زمني ملزم لعودة النازحين إلى سوريا.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

26 شباط/ فبراير 2026